تركيا, التقارير

مسجد السليمية الكبير بإسطنبول.. رؤية عمرانية وحنين لعصر الفتوحات (تقرير)

وُضع حجر الأساس للمسجد عام 1802 وافتتح للعبادة بعد 3 أعوام

Rüveyda Mina Meral, Ali Osman Kaya, Hişam Sabanlıoğlu  | 08.03.2026 - محدث : 08.03.2026
مسجد السليمية الكبير بإسطنبول.. رؤية عمرانية وحنين لعصر الفتوحات (تقرير)

Istanbul

إسطنبول/ رويدة مينا مرال – علي عثمان قايا/ الأناضول

** وُضع حجر الأساس للمسجد عام 1802 وافتتح للعبادة بعد 3 أعوام
** يحيط بالقاعة الرئيسية شريط كتابي يتضمن سورة الفتح في إشارة إلى روح الفتوحات العثمانية
** الأكاديمي بجامعة مرمرة أفضل الدين قليج:
- قرب المسجد من ثكنة عسكرية جعله موقعا لتشييع عسكريين وهي طقوس مستمرة نسبيا حتى اليوم
- المساجد التاريخية في إسطنبول أصبحت مراكز ثقافية وعلمية إلى جانب دورها الديني

على الشطر الآسيوي من مدينة إسطنبول وفي منطقة أوسكدار الحافلة بالمساجد والمباني التاريخية، يقع جامع السليمية الكبير، أحد أبرز المساجد السلطانية التي تعكس رؤية عمرانية متكاملة، وروح الفتوحات العثمانية.

المسجد الذي لا يعتبر مكانًا للعبادة فقط، بل يمثل أيضا جزءا من مشروع حضري واسع ارتبط بإصلاحات السلطان العثماني سليم الثالث، مطلع القرن التاسع عشر.

ويُعد المسجد مثالًا بارزًا على العمارة العثمانية المتأثرة بالطراز الباروكي في القرن الثامن عشر.

التأسيس

وُضع حجر الأساس للمسجد في 26 أبريل/ نيسان 1802، قبل أن يُفتتح للعبادة بعد 3 أعوام، فيما يصف النقش المعلق على المسجد المكان بأنه "تجسيد للنور".

وشُيّد المسجد ضمن مجمع يضم عدة مرافق، بينها دار التوقيت (تعنى بضبط أوقات الصلاة)، ومدرسة ابتدائية، والمقصورة السلطانية، وغرف الوضوء، إضافة إلى قاعات تدريب للمؤذنين والقيمين على المسجد.

ويُعد المسجد أحد أبرز نماذج ما يُعرف بـ"الباروك العثماني"، مع ظهور بعض ملامح الطراز الإمبراطوري الأوروبي في تفاصيله المعمارية.

ويتألف المبنى من قاعة مركزية مربعة الشكل، يبلغ طول كل ضلع منها نحو 15 مترا، وتعلوها قبة واحدة.

كما تبرز خمسة صفوف من النوافذ تسمح بدخول الضوء جيدا، إلى جانب زخارف مستوحاة من أشكال الأصداف البحرية.

أما المحراب والمنبر، فيعكسان نماذج دقيقة من فنون النحت والعمارة الرخامية.

ويحيط بالقاعة الرئيسية شريط كتابي يتضمن سورة الفتح، وهو اختيار يربطه الباحثون برغبة السلطان سليم الثالث في إحياء روح الفتوحات في الدولة العثمانية.

مجمع عمراني

يمتاز مجمع السليمية باتساعه وتنوع منشآته، ما يجعله مختلفًا عن المجمعات السلطانية التقليدية.

وبُني المجمع من أموال السلطان سليم الثالث الخاصة، وضم إلى جانب المسجد عددًا كبيرًا من المنشآت، مثل المدرسة، ودار الطباعة، و97 متجرًا، ودارًا للضيافة، وأربع نوافير، ومستودعًا للأخشاب، فضلا عن مصنع للشموع، وورش صباغة وتبييض الخيوط، وخانات للصيادين.

كما جرى تصميم المنطقة المحيطة به على شكل شبكة من الشوارع المتقاطعة بزوايا قائمة، ما يجعله نموذجا لافتا للتخطيط العمراني المنظم في إسطنبول.

المنطقة المحيطة بالمسجد خصصت لتكون مركزا اجتماعيا، بينما جرى تطوير منطقة "مرسى الحريم" القريبة كمركز لإنتاج المنسوجات، إلى جانب مناطق سكنية أُنشئت ضمن هذا التخطيط.

ولا يزال المجمع يحتفظ بقيمته التاريخية والمعمارية حتى اليوم.

شاهد تاريخي

يقول أستاذ تاريخ الفنون الإسلامية في كلية العلوم الدينية (الإلهيات) بجامعة مرمرة، أفضل الدين قليج، إن السلطان سليم الثالث شيد المسجد ضمن مشروع لإعادة تنظيم المنطقة، وتأسيس حي جديد مخطط بعناية.

ويضيف قليج للأناضول، أن المسجد جزء من منظومة واسعة من المنشآت التي دعمت نشاطه.

ويشير إلى أن كثيرًا من المباني التي شُيّدت لتوفير إيرادات للمسجد لم تعد قائمة اليوم، لكنها تبقى "شاهدًا تاريخيًا على طبيعة المشروع العمراني الذي أُقيم حولها".

قليج يؤكد أن المقصورة السلطانية في المسجد بُنيت بشكل ملحق من الخارج، ما أضفى على المبنى طابعًا مختلفًا عن التناظر المعماري المعتاد في كثير من المساجد.

وعن الزخارف داخل المسجد، يقول قليج إنها تتوافق مع العمارة العثمانية المتأخرة، حيث تظهر التأثيرات الأوروبية في المحراب والمنبر والزخارف الرخامية البارزة.

ويعتبر أسلوب الزخرفة في المسجد نموذجًا واضحًا لما يُعرف بالباروك العثماني، وهو أسلوب تأثر بالعمارة الغربية من حيث الألوان والزخارف والأشكال، بحسب قليج.

"كانت الدولة العثمانية مجتمعًا متعدد الثقافات يضم المسلمين وغير المسلمين، ولذلك لم يكن من الممكن أن تبقى بمعزل عن الاتجاهات الفنية السائدة في عصرها، وقد انعكس ذلك على العمارة وعلى الحياة المدنية"، يضيف قليج.

ويشير الأكاديمي التركي إلى وجود خزانات مياه غير ظاهرة من الخارج ضمن التصميم المعماري للمسجد، كانت تُستخدم لمواجهة الحرائق أو نقص المياه، وهو تقليد معماري معروف في إسطنبول.

وساهم قرب المسجد من ثكنة السليمية العسكرية، وفق قليج، بجعله موقعا تقليديا لإقامة مراسم تشييع عسكريين، وهي مراسم يُعمل بها أحيانًا حتى اليوم.

إرث فني

ويوضح قليج أن موظفي المسجد كانوا يُكلَّفون بقراءة سورة الفتح بانتظام، وهو ما يتوافق مع وجود الشريط الكتابي الذي يحمل السورة داخل المسجد.

ويلفت إلى أن سورة الإخلاص منقوشة على قبة المسجد على يد الخطاط إسماعيل حقي ألتون.

كما يضم المسجد أعمالًا فنية للخطاط عارف جهارشنبه لي، وهو أحد الخطاطين المعروفين في تلك الفترة، وفق قليج.

ويختتم الأكاديمي التركي حديثه بالتأكيد على استمرار دور المساجد التاريخية في إسطنبول كمراكز ثقافية وعلمية إلى جانب دورها الديني.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın