Ali Osman Kaya,Rüveyda Mina Meral,Hişam Sabanlıoğlu
05 مارس 2026•تحديث: 05 مارس 2026
إسطنبول/ علي عثمان قايا، رويدة مينا مرال/ الأناضول
- شُيّد بين 1881 و1885 قرب قصر يلدز، ويتميز بأعمال خشبية أنجزها السلطان بنفسه
- على خلاف ما هو مألوف في المساجد السلطانية ذات المآذن المتعددة، يقتصر جامع يلدز الحميدية على مئذنة واحدة
- قاعة الصلاة مستطيلة تعلوها قبة مبنية على غير المعتاد أقرب إلى المدخل منها إلى المحراب

عند مدخل قصر "يلدز" المعروف في حي بشيكطاش بإسطنبول، يقع جامع "يلدز الحميدية" ويُعد من أبرز نماذج العمارة العثمانية المتأخرة، إذ يجمع مزيجا من التأثيرات الغربية وتقاليد المساجد السلطانية.
ويرتبط الجامع تاريخيًا بمراسم "سلام الجمعة" في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي ترك بصمته الشخصية في بعض عناصره الخشبية.
كما مثل جامع يلدز الحميدية، مسرحًا لاحتفالات رسمية كبرى، وشهد أيضًا محاولة اغتيال استهدفت السلطان عام 1905، ما أكسبه مكانة خاصة في التاريخ العثماني المتأخر.

** مراسم "سلام الجمعة"
بعد اعتلائه العرش عام 1876 وانتقاله من قصر "دولمة باهتشة" إلى قصر "يلدز"، طلب السلطان عبد الحميد الثاني إنشاء مسجد جديد عند مدخل القصر لاستخدامه في مراسم "سلام الجمعة"، وهي المراسم التي كان السلطان يخرج فيها لأداء صلاة الجمعة وسط حضور رسمي وشعبي لافت.
شُيّد الجامع بين عامي 1881 و1885 على طريق قصر يلدز، ويُعد من الأمثلة البارزة لعمارة أواخر العهد العثماني من حيث الكتلة المعمارية والمخطط والزخرفة.
وكان السلطان، المعروف باهتمامه بفن النجارة وعمله في مشغل الخشب داخل قصر يلدز، قد صنع بنفسه الحواجز الخشبية (المشربيات) المحيطة بالمقصورة السلطانية المخصصة لصلاته داخل المسجد من خشب الأرز، في سابقة نادرة أن يحمل مسجد سلطاني بصمة يدوية لصانعه.

** ملامح غير تقليدية
وعلى خلاف ما هو مألوف في المساجد السلطانية ذات المآذن المتعددة، اكتُفي في جامع يلدز الحميدية بمئذنة واحدة، ذات جسم نحيل مخدد وشرفة بارزة، ما يشكل استثناءً عن القاعدة التقليدية.
وتتخذ قاعة الصلاة في جامع الحميدية مخططًا مستطيلاً، تعلوها قبة ذات رقبة مرتفعة، وُضعت على غير المعتاد أقرب إلى المدخل منها إلى المحراب.
وتفتح في رقبة القبة 16 نافذة على نحو يتيح دخول ضوء وفير إلى الداخل.
وزُيّنت القبة من الداخل عند المحراب بزخارف نجمية على أرضية زرقاء داكنة، فيما كُتبت في مركز القبة البسملة والآيات الثلاث الأولى من سورة النجم، بينما يحيط بالجدار شريط كتابي يتضمن سورة الملك.
وتضم ساحة المسجد برج ساعة بُني عام 1890، إضافة إلى سبيل تعلوه لوحات مؤرخة بأعوام 1842 و1876 و1900.

**عمارة انتقائية
يقول أستاذ تاريخ الفنون الإسلامية التركية في كلية العلوم الدينية (الإلهيات) بجامعة مرمرة، فاتح أوزقافا، إن المسجد يُنسب في بعض المصادر إلى المعماري سركيس باليان، غير أن أبحاثًا حديثة ترجّح أن من بناه هو المعماري نيكولاكي كالفا.
ويضيف أن الجامع يعكس طابعًا انتقائيًا يختلف عن العمارة العثمانية الكلاسيكية، مع حضور واضح لملامح نيوقوطية (تشتهر بالأقواس المدببة والنوافذ الطويلة) في الزخارف والكتابات والتزيين.
وأشار إلى أن وجود أعمال يدوية للسلطان في المقصورة السلطانية رغم صغر القبة يعد من أبرز خصائص المسجد.
وأوضح أن السلطان عبد الحميد الثاني كان "فنانًا ونجارًا يمارس هذا الفن في أوقات فراغه وشارك فعليًا في تنفيذ بعض العناصر".

**المنبر الرخامي
ومن الجوانب اللافتة، بحسب أوزقافا، أن المنبر كان مخططًا له أن يُصنع من الخشب، على غرار منبر الجامع الكبير في مدينة بورصة، غربي تركيا.
بل عُرض نموذج مصغّر للمسجد على السلطان قبل التنفيذ، واستُحضرت صور تفصيلية لمنبر الجامع الكبير ببورصة، غير أن المنبر نُفذ في نهاية المطاف من الرخام بدل الخشب، لأسباب لم تُعرف بعد.

** فن الخط
ويحظى الجامع أيضًا بمكانة بارزة في فن الخط العثماني، إذ كتب على الشريط المحيط بالجدران، سورة الملك، بيد الخطاط أبو ضياء توفيق بك بخط كوفي، وهو اختيار غير مألوف في المساجد العثمانية التي يغلب عليها خط الثلث الجلي.
كما كتب الخطاط عبد الفتاح أفندي كتابات الثلث الجلي داخل المسجد، في حين نفّذ الخطاط محمد ناظف بك كتابات الجلي تعليق على برج الساعة في الساحة، ما يجعل الجامع ملتقى لثلاثة أسماء بارزة في فن الخط.
وبهذا، يجسد جامع يلدز الحميدية مرحلة متأخرة من التاريخ العثماني التقت فيها العمارة الانتقائية بالتقاليد السلطانية، وتداخل فيها البعد الديني بالسياسي، والفني بالشخصي، في معلم لا يزال شاهدًا على تحولات الدولة في أواخر عهدها.

** محاولة اغتيال السلطان
ارتبط الجامع أيضًا بحادثة مفصلية في التاريخ العثماني، إذ شهد في 21 يوليو/ تموز 1905 محاولة اغتيال استهدفت السلطان عبد الحميد الثاني بتفجير قنبلة بعد صلاة الجمعة.
ورغم التخطيط الدقيق للعملية، نجا السلطان بسبب تأخره دقائق عقب الصلاة لانشغاله بحديث مع أحد المشاركين، ما حال دون وصوله إلى الموقع المستهدف لحظة الانفجار.