الدول العربية, التقارير, تونس

منخفض بتونس.. البحر يستعيد مجاله ومخاوف من انزلاقات أرضية (تقرير)

- الرئيس سعيّد شدّد على ضرورة صيانة وحماية التراث الأثري التاريخي والحضاري في البلاد

Adel Bin Ibrahim Bin Elhady Elthabti  | 02.02.2026 - محدث : 02.02.2026
منخفض بتونس.. البحر يستعيد مجاله ومخاوف من انزلاقات أرضية (تقرير) أرشيفية

Tunisia

تونس / عادل الثابتي / الأناضول

- الرئيس سعيّد شدّد على ضرورة صيانة وحماية التراث الأثري التاريخي والحضاري في البلاد
- أستاذ الجيومورفولوجيا منجي بورڨو: هذا "تنبيه من الطبيعة” يفرض إعادة النظر بطريقة التعامل مع البحر والساحل
- أستاذ الآثار الإسلامية رياض المرابط: كثير من المواقع الأثرية مسجلة لكن ضعف الإمكانات يحول دون حمايتها

لم يكن المنخفض الجوي "هاري" الذي مر من شمال شرقي تونس في 19 و20 يناير/كانون ثان الماضي مجرد تقلب جوي عابر، بل كان - بحسب خبيرين - جرس إنذار لأخطار تهدد هضبة "سيدي بوسعيد" السياحية، ومواقع أثرية بالبلاد.

المنخفض الذي مد أمواج البحر المتوسط لمسافات طويلة نحو الساحل، كشف أيضا عن مزيج من عوامل طبيعية وأخطاء بشرية ضاعفت حجم الخسائر المتوقعة، ولم يكن هناك "الاستعداد المناسب" لتلافيها، وفق خبيري آثار وجيولوجيا.

** أضرار كبيرة والسلطات تتحرك

وشهدت مناطق بشمالي تونس وشرقيها، قبل نحو 10 أيام ولمدة 48 ساعة، تقلبات جوية حادّة جراء المنخفض "هاري"، ما تسبب في فيضانات واسعة، أسفرت عن قتلى ومفقودين، وألحقت أضرارا كبيرة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.

ووفق مصادر رسمية ونقابية، أسفر المنخفض عن مصرع 7 أشخاص بولاية المنستير (شمال شرق) ولا يزال بحاران اثنان من بين 4 في عداد المفقودين.

وعلى إثر الأضرار التي ألحقها المنخفض بمدينة "سيدي بوسعيد" السياحية العريقة في المنستير والمقامة على هضبة تحمل نفس الاسم وتطل على البحر المتوسط، أمرت بلدية "سيدي بوسعيد" السبت، بإخلاء 8 منازل مؤقتا.

لم تتوقف الأضرار عند هذا الحد، بل طالت تداعيات المنخفض بعض المناطق الأثرية بسواحل ولاية نابل شرقي البلاد.

تلك التداعيات، جعلت المعهد الوطني للتراث (حكومي)، يسيّر الثلاثاء، فرق متابعة لتقييم الأضرار في مناطق أثرية شرقي تونس وبسواحل ولاية نابل.

فيما شدد الرئيس قيس سعيّد، الأربعاء، في لقاء مع وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي على ضرورة "صيانة وحماية التراث الأثري التاريخي والحضاري للبلاد".

** البحر لم يخرج عن مجاله

أستاذ الجيومورفولوجيا في الجامعة التونسية منجي بورڨو، يرى أن ما حدث على السواحل التونسية كان متوقعاً.

ويفسر ذلك بالقول: "فالبحر، لم يجتح المناطق العمرانية بل عاد ببساطة إلى مجاله الطبيعي الذي استولى عليه البشر عبر بناء المقاهي والفنادق والمنتجعات على الأراضي الساحلية".

وفي حديثه للأناضول، يؤكد بورڨو أن 90 بالمئة من النزل السياحية في تونس مشيدة على الأملاك البحرية للدولة، وهو ما يجعلها عرضة مباشرة للعواصف وارتفاع الأمواج.

ويعتبر أن ما حدث "تنبيه من الطبيعة” يفرض على الإنسان إعادة النظر في طريقة تعامله مع البحر والساحل.

ووفق المتحدث، فإن الفيضانات ليست وليدة اللحظة، ولكن تفاقمها يرتبط بالتوسع العمراني غير المنظم، مثل البناء على مناطق تصريف السيول، كما حدث في حي النصر بالعاصمة حيث طُمرت المسارات الطبيعية للمياه، فطفحت الشوارع.

وتابع: "الفيضانات التي حدثت كانت طبيعية في البداية، لكن الأعمال البشرية وراء استفحال الظاهرة وهناك قانون كبير حول حماية الملك العمومي البحري لكن من ينفذه؟".

ويذكر بورڨو أن هناك 5 مناطق سياحية كبرى هي: نابل، جربة، سوسة، المهدية، وطبرقة (شمال)، وأن 90 بالمئة من النزل فيها مبنية على الملك العمومي البحري.

** معاقبة الإنسان

"ما حدث عادي وهو معاقبة الإنسان ليستفيق، البحر يبحث عن ملكه، وفي كثير من الدول في العالم فهموا الأمر وقالوا لابد أن نترك للبحر مجاله"، هكذا يضع تفسيرا.

ويشدد الخبير على أن ما حدث هو نتيجة تعدي الإنسان الصارخ على الوسط الطبيعي.

ويبدو متشائما من عدم أخذ العبرة مما حدث بالقول: "غدا عندما تنتهي العاصفة سنعود للبناء في نفس المكان ونلقي فضلات البناء" على ساحل البحر.

** هضبة سيدي بوسعيد مهددة

ومن أبرز المناطق المتضررة هضبة سيدي بوسعيد الشهيرة. ويوضح بورڨو أن جزءاً كبيراً من مبانيها مقام مباشرة على جرف صخري هش، يزيد ضعفاً مع الأمطار وتشبع التربة بالمياه، خاصة في غياب قنوات صرف صحي لبعض المنازل.

ورغم ذلك، يرى الخبير أن إنقاذ المنطقة ممكن عبر إجراءات هندسية، مثل بناء الجدران الداعمة وتقوية التربة بالحقن الإسمنتي، لكنه يحذر من أن بعض المباني المقامة على حافة الجرف "يجب تركها للبحر" لأنها في منطقة خطرة بطبيعتها.

** الآثار مهددة

أما أستاذ الآثار الإسلامية في الجامعة التونسية رياض المرابط، فيشير إلى أن تونس تعرف منذ القدم هذه الاضطرابات الجوية، لكن المشكلة الحقيقية "تكمن في عدم اتباع سياسات واضحة لحماية المواقع الأثرية، خاصة الساحلية منها".

ويُعبّر المرابط عن صدمته من ظهور عظام تعود للمقبرة الفاطمية في المهدية (شرق)، نتيجة التعرية البحرية، ويؤكد أن العديد من المواقع الأثرية مسجلة منذ سنوات طويلة لكن ضعف الإمكانات يحول دون حمايتها أو ترميمها.

ويضيف أن بعض الآثار المكتشفة حديثاً في نابل (شمال شرق) تعود للعهد الروماني، لكنها الآن معرضة للتلف إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة مثل إعادة ردمها أو بدء حفريات إنقاذ.

ووفق المتحدث، "يملك المعهد الوطني للتراث (حكومي) القدرة على وضع برامج وسياسات وتصورات لحماية التراث البحري وغير البحري نظريا، لكن فعليا يفتقر للإمكانيات المالية واللوجستية التي تسمح برسم برامج قابلة للتنفيذ".

وعن اكتشاف آثار جديدة، يقول: "الآثار لم تكن ظاهرة لكن المواقع مسجلة منذ 1986 خاصة المواقع في الوطن القبلي (شرق) ".

ويضيف أنه "في منطقة بين الوديان بنابل هناك أثار مهددة فيها دعامات كبيرة قد تكون حمامات رومانية أو امتداد لمصانع تمليح السمك الرومانية".

** الآثار تحتاج الحماية

أستاذ الآثار يمضي في حديثه قائلا: "في المهدية المقبرة الفاطمية منحوتة في الصخر ومعرضة للتعرية وفي 2004 طلبنا حمايتها وإنقاذها ولكن لا من مجيب".

وحسب المتحدث، فإنه "حتى في هذه المرحلة ستقع بعض الضجة الإعلامية ومن بعد يُنسى الموضوع".

وحول كيفية الحماية، يشدد المرابط على ضرورة تعامل “إسعافي” سريع لحماية الآثار، مثل وقف تعرضها المباشر للأمواج، مؤكداً أن دولاً كثيرة سبقت تونس في اعتماد برامج شاملة لإنقاذ التراث.

لكنه يعترف في الوقت ذاته، بأن الوضع الاقتصادي يجعل الأولويات موجهة لقطاعات أخرى كالصحة والتعليم.

ويوضح أن "وزارة الثقافة ومعهد التراث بالميزانية التي عليها غير قادرين على التعامل مع التراث التونسي في الوضع العادي فما بالك بالوضع الكارثي".

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.