الدول العربية, أخبار تحليلية, التقارير

هل كل العراقيين يرغبون بانسحاب القوات الأمريكية؟ (مقال تحليلي)

من الطبيعي أن أي شخص لديه الحد الأدنى من الانتماء لوطنه سيرفض أي وجود لقوات أجنبية على أراضي بلده، لكن قضية الوجود العسكري الأمريكي مختلفة ومعقدة وتنطوي على تساؤلات عديدة حول طبيعته

09.04.2020
هل كل العراقيين يرغبون بانسحاب القوات الأمريكية؟ (مقال تحليلي)

Istanbul

إسطنبول/ واثق السعدون**/ الأناضول

من المعروف أن القضية الأكثر تفاعلًا في الساحة العراقية حاليًا هي مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وقد أصبحت مواقف الفصائل المسلحة والقوى السياسية المختلفة حول هذه القضية معروفة.

لكن هناك جانب مهم يجب تسليط الأضواء عليه، وهو مواقف مكونات الشعب العراقي المختلفة والناس العاديين (غير المرتبطين بالجهات المسلحة والسياسية) تجاه هذه القضية، خاصة وأن الاحتجاجات الأخيرة في العراق (بدأت مطلع أكتوبر/ تشرين أول 2019) أثبتت وجود خلافات وتناقضات كبيرة في الرأي والرؤية بين الشعب والطبقة السياسية، حول مجمل القضايا الداخلية والخارجية المتعلقة بالشأن العراقي.

من الطبيعي أن أي شخص لديه الحد الأدنى من الانتماء لوطنه سيرفض أي وجود لقوات أجنبية على أراضي بلده، لكن قضية الوجود العسكري الأمريكي مختلفة ومعقدة وتنطوي على تساؤلات عديدة حول طبيعته.

من هذه التساؤلات: هل القوات الأمريكية في العراق بعد عام 2011 هي قوات احتلال أم قوات حليفة؟ ولماذا تصاعدت المطالبات بانسحابها في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا هذه المطالبة تصدر فقط من الجهات السياسية-المسلحة العراقية المرتبطة بإيران؟ وهل رأي الجهات المرتبطة بإيران يمثل رأي جميع مكونات الشعب العراقي بخصوص هذه القضية؟

احتلال أم تحالف؟

يشعر الكثير من العراقيين والمراقبين للشأن العراقي بالحيرة بشأن توصيف طبيعة الوجود العسكري الأمريكي "الحالي" في العراق، حيث مر بمراحل مختلفة ومتناقضة.

بعد الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق، في أبريل/ نيسان 2003، كان توصيف القوات الأمريكية في العراق سهلًا وواضحًا بأنها "قوات احتلال"، حتى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483، الصادر في 22 مايو/ أيار 2003 بإجماع الأعضاء، وصف القوات الأمريكية والبريطانية في العراق بأنها "قوات احتلال".

في أكتوبر/ تشرين أول 2008 توصلت الحكومتان العراقية والأمريكية إلى اتفاقية تعاون أمني استراتيجي تنص على إكمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق نهاية 2011، وإبقاء عدد "محدود" من الجنود الأمريكيين في قواعد عسكرية "محدودة"، لأغراض تدريب القوات العراقية وتقديم الدعم اللوجستي لها.

تم تنفيذ بنود الاتفاقية، وانسحبت القوات الأمريكية رسميًا من العراق بحلول نهاية 2011.

بعد ظهور تنظيم "داعش" الإرهابي وسيطرته على مدن وأراضٍ واسعة من العراق، في يونيو/ حزيران 2014، طلبت الحكومة العراقية من الولايات المتحدة مساعدتها للوقوف بوجه تهديدات ومخاطر داعش، وضرورة زيادة حجم ونوع الدعم العسكري الأمريكي المقدم للعراق، تطبيقًا لاتفاقية التعاون الأمني الاستراتيجي.

وفي سبتمبر/ أيلول 2014، تشكل التحالف الدولي لمحاربة "داعش" من 82 دولة، بقيادة الولايات المتحدة، وتطلبت ظروف الحرب ضد "داعش" زيادة أعداد القوات الأمريكية في العراق وزيادة قواعدهم العسكرية. بحلول نهاية الحرب على "داعش" في 2017، وصل عدد الجنود الأمريكيين في العراق إلى أكثر من 5000 جندي، ينتشرون في 9 قواعد عسكرية في وسط وغربي وشمالي العراق.

لم تواجه القوات الأمريكية في العراق أية مشاكل مع الجهات السياسية-المسلحة العراقية المرتبطة بإيران خلال الحرب على "داعش"، لكن بعد أن قررت الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، في مايو/ أيار 2018، وتشديد العقوبات الأمريكية على طهران، تصاعدت المواجهة بين واشنطن وطهران، ويبدو أن العراق أصبح الساحة الرئيسية لهذه المواجهة.

بدأت الجهات السياسية العراقية القريبة من إيران تصعد من لهجتها ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وبدأت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تهدد بشن ضربات ضد القوات الأمريكية في العراق. هذه المواجهة وصلت ذروتها بعد مقتل الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، بضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد، فجر 3 يناير/ كانون ثاني الماضي.

بعد هذا الحادث بيومين أصدر مجلس النواب العراقي قرارًا يلزم الحكومة بالبدء بمفاوضات لإخراج القوات الأمريكية، بعد جلسة طارئة حضرها معظم النواب الشيعة وعدد قليل جدا من نواب العرب السُنة، وغياب معظم النواب الأكراد.

من جهة أخرى تزايدت بعد مقتل سليماني الهجمات الصاروخية التي شنتها الفصائل الموالية لإيران ضد القواعد العسكرية التي تحوي القوات الأمريكية، وأصبح الخطاب الإعلامي للجهات السياسية-المسلحة القريبة من إيران يصف القوات الأمريكية في العراق بـ(قوات احتلال)!

مواقف الرأي العام

إن القوى السياسية الشيعية التي تصدرت المشهد السياسي في العراق بعد انتخابات 2018 هي "ائتلاف الفتح" (الحشد الشعبي) و"ائتلاف سائرون" (الصدريين).

وهذه القوى هي التي تقود حاليًا الحملات السياسية والإعلامية للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وتتكون تلك القوى من فصائل مسلحة لديها أجنحة سياسية، أو أحزاب سياسية لديها أجنحة مسلحة، وجميع هذه القوى قريبة من إيران وتوجهاتها.

لكن السؤال هو: هل يمثل "الفتح" و"سائرون" معظم الشارع الشيعي في العراق؟ بالطبع لا، فهذه القوى لديها نوعين من الجمهور في الوسط الشيعي بالعراق، الجمهور المنتمي لها تنظيميًا وعقائديًا، والجمهور "النفعي"، الذي يؤيد توجهات تلك القوى لمنفعة شخصية.

إن جمهور هذه القوى لا يشكل النسبة الأكبر من المكون الشيعي في العراق، بدليل أن النسبة (الحقيقية) للمشاركة في التصويت في الانتخابات الأخيرة بمحافظات وسط وجنوب العراق الشيعية لم تتجاوز 20%.

والدليل الآخر هو الأعداد الكبيرة من الجماهير الشيعية التي شاركت في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، علمًا بأن تلك الاحتجاجات تركزت في مدن وسط وجنوب العراق الشيعية، وأن جوهر مطالبها هو إزاحة القوى السياسية-المسلحة القريبة من إيران من المشهد السياسي بالعراق.

لكن هذه القوى ما زالت تفرض سيطرتها ونفوذها في الشارع الشيعي في العراق بقوة السلاح والدعم الإيراني.

إن الجماهير الشيعية من خارج "الفتح" و"سائرون" لها رأي آخر في قضية الوجود العسكري الأمريكي في العراق، فهم يرون أن هذا الموضوع هو قضية استراتيجية تتعلق بأمن وسيادة ومستقبل العراق، ويجب مناقشتها واتخاذ القرار بخصوصها ضمن توافق وطني شامل موحد، وليس ضمن إطار المصالح والتوجهات الإيرانية، ولا يجوز للجهات السياسية-المسلحة المرتبطة بإيران أن تحتكر حق القرار في هذه القضية، واحتكار قرار الحرب والسلام في العراق.

الكثير من شيعة العراق خارج إطار "الفتح" و"سائرون" يرون أنه لا يجوز تعريض الأوضاع الأمنية والاقتصادية في العراق للخطر خدمةً للأجندات الإيرانية.

هؤلاء العراقيون الشيعة يرون أن القوات الأمنية العراقية ما زالت بحاجة لدعم القوات الأمريكية لمواجهة خطر الإرهاب المتنامي، وأن المؤسسة العسكرية العراقية بدأت مؤخرًا تؤيد انسحاب القوات الأمريكية؛ بسبب ضغوطات القوى السياسية-المسلحة المدعومة من إيران، كما أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، هدد بأنه إذا أجبر العراقيون القوات الأمريكية على الانسحاب، فسيفرض عقوبات اقتصادية على العراق "أقسى" من المفروضة على إيران.

أما العرب السُنة، فموقفهم الحالي من الانسحاب الأمريكي يعد من المفارقات التاريخية، فبين عامي 2003 و2011 كان العرب السُنة أكثر مكونات الشعب العراقي رفضًا للوجود الأمريكي، وشهدت مدن ومناطق العرب السُنة الجزء الأكبر من العمليات المسلحة التي استهدفت القوات الأمريكية، ولحد الآن يوجد المئات من العرب السُنة في السجون العراقية، بتهمة المشاركة في أعمال مسلحة ضد الأمريكيين!

أما الآن، فإن معظم العرب السُنة (من خارج بعض القوى السياسية السُنية المتحالفة مع ائتلاف الفتح) لا يشعرون بالارتياح لانسحاب الأمريكيين في هذا الوقت لعدة عوامل.

من هذه العوامل أن العرب السُنة (من خارج الطبقة السياسية) لديهم نفس الهواجس والشكوك والانتقادات الموجودة لدى العراقيين الشيعة (من خارج ائتلافي الفتح وسائرون)، فضلًا عن أن العرب السُنة يعتقدون أن الانسحاب الأمريكي في هذا الوقت سيجعلهم ومناطقهم مكشوفين أمام تهديدين خطيرين، هما تهديد بقايا "داعش"، وتهديد الميليشيات المدعومة من إيران.

أما موقف معظم الجماهير الكردية من الوجود العسكري الأمريكي فهو متطابق تمامًا مع موقف القوى السياسية الكردية، فهم يرفضون أي انسحاب أمريكي من العراق حاليًا.

إن هذا الموقف الكردي ينطلق من عوامل عديدة، وهي تجمع بين تحفظات وانتقادات الشيعة (من خارج الفتح وسائرون) ومخاوف العرب السُنة من تهديدات "داعش" والميليشيات.

ويبدو أن المكون التركماني في العراق هو الأكثر انقسامًا حول هذه القضية، فهناك تركمان شيعة وتركمان سُنة، التركمان الشيعة منقسمين إلى جزئين، جزء مرتبط تنظيميًا أو عقائديًا بالجهات السياسية-المسلحة المدعومة من إيران، وهو جزء يدعم بحماس مطلب انسحاب القوات الأمريكية من العراق، نصرةً لمواقف إيران.

أما الجزء الآخر من التركمان الشيعة فهم غير المرتبطين بالقوى السياسية والمسلحة القريبة من إيران، ولديهم نفس هواجس وانتقادات العرب الشيعة (من خارج القوى السياسية) حول هذه القضية.

والتركمان السُنة أيضًا منقسمين إلى جزئين بخصوص تلك القضية، قسم منهم يشترك مع العرب السُنة والكرد في نفس المخاوف من تداعيات الانسحاب الأمريكي، أما القسم الآخر فيرى أن الانسحاب الأمريكي قد يكون فيه مصلحة للتركمان، إذا شمل مناطق شمال العراق؛ لأنه سيُضعف قوة "بعض" الأطراف الكردية التي تستقوي بالوجود والدعم الأمريكي، لاستهداف وجود التركمان وحقوقهم في العراق.

الخلاصة

إن المطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق هو حق مشروع كفلته القوانين والأعراف الدولية، ومن المؤكد أن خلو العراق من كل أنواع الوجود الأجنبي والتدخلات الخارجية (الأمريكية أو الإيرانية) يعد مكسبًا استراتيجيًا.

لكن هذا الحق يجب أن ينطلق من تفاهمات وحوارات بين كل مكونات الشعب العراقي السياسية والمجتمعية، مع مباحثات رصينة مع الجانب الأمريكي، وأن تتم كل هذه الخطوات في إطار مصلحة الشعب العراقي ومتطلبات أمنه واستقراره.

غير أن ما يجري حاليًا في العراق بشأن قضية الوجود العسكري الأمريكي هو فوضى سياسية وأمنية غير محسوبة العواقب، تتم في أجواء متوترة.

وتتفرد أطراف سياسية-مسلحة محددة باتخاذ قرارات خطيرة تتعلق بحاضر ومستقبل كل مكونات الشعب العراقي، بالاعتماد فقط على رأيها ورؤيتها لمسار الأحداث وعلى الإرشادات والنصائح والدعم الذي يأتيها من الخارج، دون التشاور مع باقي الأطراف والشركاء في الوطن أو في العملية السياسية.

--------------------

** واثق السعدون، خبير دراسات العراق في ORSAM


الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın