الفلسطيني أحمد.. مأساة فقد الابن وألوان الحياة بقصف إسرائيلي (تقرير)
ـ أحمد حرز الله سرق صاروخ إسرائيلي غرب مدينة غزة ابنه وبصره ليمحو عالمه ويحيله إلى مجرد ذكريات مؤلمة
İstanbul
غزة / حسني نديم / الأناضول
ـ أحمد حرز الله سرق صاروخ إسرائيلي غرب مدينة غزة ابنه وبصره ليمحو عالمه ويحيله إلى مجرد ذكريات مؤلمةـ خضع لسلسلة جراحات بتر خلالها الأطباء 3 أصابع من القدم اليسرى وإصبعا من اليد اليمنى فضلا عن إصابات حادة في مفصلي الركبة، وجروح عميقة في الأمعاء والكبد والبنكرياس
بينما يمضي الجريح الفلسطيني أحمد حرز الله أيامه ممددا على فراشه، يصارع آلام جروح عميقة أنهكت جسده النحيل، تمتد يداه المرتجفتان إلى ملابس نجله عدي، يتحسسها كأنها آخر ما تبقى منه، بعد أن انتزعته غارة إسرائيلية خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
في منزل صغير بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يرقد حرز الله محاطا بصمت ثقيل وذكريات مؤلمة لا تفارقه، بين جدران غرفة يخترقها شعاع الشمس من نافذة زجاجية صغيرة، لكن هذا الشعاع لا يخترق جدار الظلام الذي يعيشه منذ أن فقد القدرة على الإبصار إثر إصابته في غارة جوية إسرائيلية على القطاع.

ويواجه الآلاف من جرحى حرب الإبادة الجماعية، التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، واقعا مريرا بفعل إصابات خطيرة تسببت بفقدانهم البصر في عين واحدة، أو كلتا العينين.
يستعيد حرز الله (41 عاما) بمرارة تفاصيل الإصابة بتاريخ 21 أغسطس/ آب 2025، اليوم الذي قلبت فيه حياته، وحصل ما لم يكن متوقعًا بالنسبة إليه.
** اللحظات الأخيرة
عند التاسعة مساءً، خرج حرز الله من منزله باحثا عن ابنه الوحيد عُدي (13 عاما)، الذي اعتاد الوقوف واللعب مع أصدقائه قرب مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، تحولت إلى مركز لإيواء النازحين، بالقرب من منزله.
عندما عثر حرز الله على نجله، تبادلا الحديث والضحكات، واطمأن الأب على نجله، لكنهما لم يدركا أن تلك اللحظات ستكون الأخيرة بينهما.
في حينه، كانت طائرات حربية إسرائيلية تحلق في الأجواء على ارتفاع منخفض قبل أن يدوي انفجار هائل، أعقبه تصاعد ألسنة اللهب والدخان، وتناثرت أجساد المدنيين أمام مركز الإيواء.

الغارة التي نفذتها مسيرة إسرائيلية، ألقت حرز الله أرضا وأفقدته القدرة على أي حركة. لم يكن في باله حينها سوى نجله عدي، فناداه مرات عديدة لكن دون جدوى.
كان الطفل قد غرق بدمائه بعدما ألقاه الانفجار عدة أمتار بعيدا عن والده، واخترقت الشظايا جسده الصغير بلا رحمة.
يقول حرز الله للأناضول: "كان ابني بعيدا عني قرابة مترين، حاولت أن أسعفه لكن لم أتمكن بسبب الشظايا التي أصابت جسدي".
بعد دقائق، وصلت سيارات الإسعاف ونُقل الجرحى إلى مجمع الشفاء الطبي، غرب مدينة غزة. وهناك حاول الأطباء إنقاذ حياة الطفل، لكنه فارق الحياة بعد قرابة أربع ساعات من إدخاله غرفة العمليات.
** رحلة العلاج
أما الوالد، فقرر أطباء مجمع الشفاء نقله إلى مستشفى القدس في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، جراء نقص القدرات والإمكانيات الطبية.
وبينما كان الأب يخضع للعلاج والعمليات الجراحية في أنحاء جسده، لم يكن يعلم أن نجله الوحيد قد فارقه بلا وداع، ودفن جثمانه صباح اليوم التالي.
يؤكد حرز الله أن نجله عدي، كان إنسانا مهما بالنسبة له ولشقيقاته الأربع، وأكبرهن جنى (15 عاما)، وأصغرهن الرضيعة نجاح (عام واحد)، وقد رحل تاركا وراءه فراغا لا يملؤه أحد، وذكريات جميلة.
![]()
داخل الغرفة التي يمضي طوال وقته فيها، يمسك حرز الله بملابس نجله عدي، يحتضنها ويقبلها ويشم رائحتها كما لو كان يتمنى رؤيته أمامه من جديد.
يقول: "عدي كان حياتي وراجل البيت يلبي الكثير من احتياجاتنا.. كان مميزا في دراسته ويتمنى أن يصبح طبيبا يعالج الناس.. لكنه رحل دون أن أودعه.. كنت أتمنى أن أقبله.. أن ألمس شعره".
** إصابات حرجة
ولم تقتصر إصابة حرز الله على فقدان البصر، فقد خضع لسلسلة عمليات جراحية دقيقة بتر خلالها الأطباء 3 أصابع من القدم اليسرى، وإصبعا من اليد اليمنى، فضلا عن إصابات حادة في مفصلي الركبة، وجروح عميقة في الأمعاء والكبد والبنكرياس ما زال يعاني تبعاتها.
أما عن إصابته في العينين، فيشير إلى أن الانفجار دمر عينه اليسرى بالكامل واستأصلها الأطباء، فيما أخبروه أن عينه اليمنى التي فقد أيضا الإبصار بها، بحاجة إلى عمليات جراحية دقيقة ممكن أن تعيد إليه القدرة على الرؤية.
لكن هذه العمليات لا يمكن إجراؤها في قطاع غزة الذي تعرضت منظومته الصحية لاستهداف إسرائيلي مباشر خلال الحرب، وتسبب بإخراج معظم مستشفياته عن الخدمة.
** طلب أخير
وتابع حرز الله: "أريد السفر لإكمال علاجي، أتمنى استعادة بصري ولو بعين واحدة. أريد أن أرى الحياة ملونة، أن أرى أمامي من تبقى من أسرتي وأهلي وأصدقائي".
ومؤخرا حصل حرز الله على تحويل طبي للعلاج، ويعلق آماله على إمكانية نقله إلى خارج قطاع غزة، لكنها سرعان ما تتلاشى مع استمرار تعطيل العمل في معبر رفح (جنوب) المغلق بقرار إسرائيلي.
وبحسب معطيات أوردها مسؤولون في وزارة الصحة بغزة، فإن قرابة 4 آلاف مريض عيون يواجهون خطرا حقيقيا ومهددون بفقدان بصرهم كليا أو جزئيا، في عين واحدة أو كلتا العينين، بينهم حالات تعاني من مضاعفات الإصابة خلال الحرب، وأخرى بسبب عدم إدخال العلاجات الدوائية.
وبينما حذر المسؤولون من أن فقدان البصر بالنسبة لهؤلاء لن يكون مؤقتًا، ولا وسيلة لإعادته بعد ذلك، أكدوا أن الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للمنظومة الصحية وخاصة مستشفى العيون التخصصي غرب مدينة غزة، ترك تداعيات خطيرة على المرضى وجرحى الحرب.
وبدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية بغزة استمرت عامين، وخلفت أكثر من 71 ألف قتيل و171 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
