جنوب لبنان.. حملات توعية بخطر الألغام ومخلفات الحرب الإسرائيلية (تقرير)
- مئات الطلاب اللبنانيين في بلدة شبعا شاركوا في يوم توعوي بشأن مكافحة الألغام
Lebanon
شبعا (جنوب لبنان) / وسيم سيف الدين / الأناضول
- مئات الطلاب اللبنانيين في بلدة شبعا شاركوا في يوم توعوي بشأن مكافحة الألغام- مسؤول باليونيفيل: الأطفال أبدوا اهتماما لافتا بالعروض الفنية والتطبيقية ولا سيما عرض الكلاب المدربة على كشف الألغام
- عضو بمؤسسة "شيلد": أحد الطلاب عثر على قنبلة عنقودية في حديقة منزله فأبلغ والده الذي تواصل بدوره مع الجيش اللبناني
- والدة أحد الطلاب: هذه المبادرات تسهم في دعم الصحة النفسية للأطفال وتمنحهم شعورا أكبر بالأمان
لا يزال المدنيون في جنوب لبنان يعانون تبعات الحرب الإسرائيلية الأخيرة، من خلال خروقات تل أبيب لاتفاق وقف إطلاق النار، والألغام والذخائر غير المنفجرة، ما يشكل تهديدا مباشرا على حياتهم.
ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تزايدت الحاجة إلى تسريع عمليات إزالة الألغام، حيث تواصل الأمم المتحدة دعمها للمركز اللبناني لمكافحة الألغام (خاص يعمل بالتنسيق مع وزارة الدفاع)، فيما تعمل فرق إزالة الألغام، ومعظمهم لبنانيون، على إزالة الخطر.
والأربعاء الماضي، شارك مئات الطلاب في بلدة شبعا (جنوب)، في يوم توعوي خُصص للتحذير من مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، وشهد سلسلة فعاليات بشأن كيفية معرفة الأجسام المشبوهة، وأهمية الابتعاد عنها، وضرورة الإبلاغ الفوري.
وهذه ليست الحملة الأولى من نوعها، بل ينظم المركز اللبناني بين الفينة والأخرى حملات توعية بشأن مكافحة خطر الألغام بدعم من الأمم المتحدة، وقوة حفظ السلام المؤقتة "يونيفيل".
وتركّز الحملات على توعية الأطفال والأهالي، وتعليمهم آليات الإبلاغ السريع عن الأجسام المشبوهة، وأهمية الالتزام بالطرق الآمنة، ما يمكّنهم من العودة إلى أراضيهم الزراعية والتعافي، مع استمرار خطر مخلفات الحرب والقنابل العنقودية.
** اهتمام طلابي
وتعقيبا على ذلك، قال ماريوس كمبيان مسؤول الشؤون المدنية في اليونيفيل بالقطاع الشرقي من جنوب لبنان، إن "النشاط أُقيم في مدرسة شبعا الابتدائية في إطار برنامج وطني للتوعية بمخاطر الألغام، جراء انتشار الأجسام غير المنفجرة في الجنوب، خصوصًا بعد الحرب (الإسرائيلية) الأخيرة".
وأوضح كمبيان للأناضول، أن الفعالية نُفذت ضمن خطة الجيش اللبناني، وبمشاركة فريق مختص تابع لليونيفيل، والكتيبة الهندية، ومنظمة "شيلد" الإسبانية.
وعن فحوى ذلك اليوم، قال: "قدمنا عرضين عمليين لمجموعتين من الطلاب، ونخطط خلال فبراير/ شباط المقبل لتغطية جميع المدارس الرسمية في القطاع الشرقي".
وبشأن نتائج الحملة، لفت المسؤول باليونيفيل إلى أن "الأطفال أبدوا اهتماما لافتا بالعروض الفنية والتطبيقية، ولا سيما عرض الكلاب المدربة على كشف الألغام".
وأظهر الطلاب الأكبر سنًا، وفق كمبيان، "فضولًا تجاه أجهزة البحث والروبوتات والآليات المستخدمة في عمليات الإزالة".
وتعود مشكلة الألغام في لبنان إلى ما قبل 1975، وبرزت بشكل أكبر عقب انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، وما رافقها من اجتياحين إسرائيليين عامي 1978 و1982، أسفرا عن تلوث واسع للأراضي بما لا يقل عن 100 ألف لغم، إلى جانب كميات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة.
ومع انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الأزمة، بعدما خلّفت تل أبيب أكثر من 550 ألف لغم مضاد للأفراد والآليات في الجنوب وأجزاء من البقاع الغربي.
أما المرحلة الأشد خطورة فجاءت عقب العدوان الإسرائيلي في يوليو/ تموز 2006، حيث أُلقي أكثر من 4 ملايين قنبلة عنقودية، تسببت بتلوث نحو 54.9 كيلومترا مربعا من الأراضي، وهددت حياة أكثر من مليون لبناني، أي قرابة ربع السكان آنذاك، وفق تقديرات رسمية.
ولا تزال القنابل العنقودية غير المنفجرة، والمقدّرة بنحو مليون قنبلة، بحسب المركز اللبناني لمكافحة الألغام، تشكل خطرًا دائمًا على المدنيين، وتمنع وصولهم إلى أراضيهم الزراعية، في واقع يصفه لبنانيون بأنه "احتلال من نوع آخر".
وبعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لا يزال واقع الألغام في جنوب لبنان يشكل تهديدًا كبيرًا للمدنيين، إذ خلّف الاحتلال الإسرائيلي آلاف الألغام والذخائر غير المنفجرة.
وتتواصل الجهود اللبنانية بدعم من الأمم المتحدة لإزالتها، وسط تحديات مستمرة نتيجة الخروقات الإسرائيلية المتكررة وخطورة الذخائر العنقودية.
** حالة نجاح
من جهته، قال محمد دلي عضو مؤسسة "شيلد"، إن المؤسسة تنفذ جلسات توعية بمخاطر الألغام بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، وبالتعاون مع اليونيفيل والكتيبتين الإسبانية والهندية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان.
و"شيلد" منظمة لبنانية غير حكومية تأسست عام 2009، وتعمل في مجالات الإغاثة، والتنمية، والأمن الغذائي، والتعليم، وحماية حقوق الإنسان خاصة المعوقين والنازحين.
وأوضح دلي للأناضول، أن المؤسسة بدأت منذ نحو عامين تنفيذ برامج توعية في المدارس، خصوصًا وسط الظروف الصعبة التي أعقبت الحرب الإسرائيلية، مع انتشار مخلفات الذخائر غير المنفجرة.
وحذر من أن ضيق المساحات السكنية يدفع الأطفال إلى اللعب خارج المنازل، ما يرفع احتمالات تعرضهم للخطر، مؤكدًا أهمية إبلاغ الجيش اللبناني فور العثور على أي جسم مشبوه.
وأشار إلى أن المؤسسة توزع كتيبات توعوية مصممة وفق الفئات العمرية، تعتمد أسلوب القصة المصورة لإيصال الرسالة للأطفال، إلى جانب منشورات تشرح مخاطر الألغام والقنابل العنقودية.
ومتحدثا عن تسجيل حالة نجاح حديثة، قال دلي إن "أحد الطلاب عثر على قنبلة عنقودية في حديقة منزله (دون تحديد المنطقة)، فأبلغ والده الذي تواصل بدوره مع الجيش اللبناني".
واعتبر أن "هذه الحالات تؤكد فعالية التوعية وقدرتها على إنقاذ الأرواح".
** دعم الصحة النفسية
ولمعرفة الأثر النفسي والتربوي لهذه الحملات، التقت الأناضول كارولين ضاهر، والدة أحد الطلاب من بلدة شبعا، التي أكدت أهمية هذه الأنشطة جراء الأوضاع الأمنية والنفسية الصعبة التي يعيشها الأطفال في الجنوب، عقب الحرب الإسرائيلية.
وعن ذلك، قالت ضاهر: "نحن خارجون من حرب وأزمة، والمنطقة ما زالت حساسة وتشهد خروقات (إسرائيلية) مستمرة، ما يسبب خوفا وقلقًا للأطفال".
وأضافت أن "العروض الميدانية، التي شملت كلابًا بوليسية وروبوتات لتفكيك الألغام، ساهمت في رفع مستوى وعي التلاميذ، وخلقت تفاعلًا إيجابيًا ملحوظًا داخل المدرسة".
وختمت بالقول إن "مثل هذه المبادرات لا تعزز السلامة الجسدية فحسب، بل تسهم في دعم الصحة النفسية للأطفال، وتمنحهم شعورا أكبر بالأمان في بيئة ما زالت مثقلة بآثار الحروب".
وأدت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع "حزب الله" إلى مقتل وإصابة مئات اللبنانيين، في وقت تواصل فيه تل أبيب احتلال خمس تلال لبنانية استولت عليها خلال الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.
وكانت إسرائيل قد شنت عدوانها على لبنان في أكتوبر 2023، قبل أن تتوسع الحرب بشكل شامل في سبتمبر/ أيلول 2024، مخلفة أكثر من 4 آلاف قتيل و17 ألف جريح.
