أول رمضان بعد الحرب.. غزة تنبض فرحا وأملا رغم الدمار (تقرير)
في حارة أبو سفيان بمدينة خان يونس جنوب القطاع يعلّق الأطفال فوانيس وزينة رمضان فوق المباني المهدّمة والخيام، في أول شهر فضيل يحل بعد انتهاء الحرب، وسط إصرار على صناعة الفرح
Gazze
خان يونس / الأناضول
وسط مبان مهدمة وخيام نصبت مكان البيوت يعلق أطفال غزة زينة رمضان، في مشهد يعكس إصرار الفلسطينيين على إحياء الشهر الفضيل رغم آثار الدمار.
محاولين كسر مشهد الركام، تتدلى الألوان من فوق الأسطح المنهارة والأقمشة البيضاء، علامة حياة في مكان أنهكته حرب الإبادة الإسرائيلية على مدار عامين، وطاقة أمل لأطفال عاشوا ظروفا قاسية.
** ألوان تكسر رمادية الدمار
في حارة أبو سفيان بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة التي غطى شوارعها الرماد لأشهر طويلة تغير المشهد فجأة، فلم يعد اللون الرمادي وحده سيد المكان، بل امتزج بالأحمر والأصفر وألوان أخرى علقت فوق الخيام وبين المباني المهدمة.
وزينت الحارة بلوحات كتب عليها "أهلاً وسهلاً" و"شهر رمضان مبارك" ارتفعت فوق الركام الرمادي، وكأنها تعلن بداية فصل مختلف في مدينة أنهكتها الحرب.
وهذا أول رمضان يمر على فلسطينيي غزة بعد انتهاء الإبادة، إذ حل خلال العامين الماضيين وسط ويلات الحرب وتحت وطأة مجاعة حادة، لم يجد فيها السكان طعاما لإعداد موائد الإفطار أو السحور.
وبدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية استمرت عامين وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 171 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية في القطاع.
** رمضان الأول بعد الحرب
في حارة أبو سفيان، انشغل الأطفال والكبار بترتيب الزينة وتثبيتها على حبال مشدودة بين الأعمدة وبقايا جدران منازل الحي، وإضاءة فوانيسهم التي شهدت معهم ويلات الحرب ونجت.
لم يكن الأمر مجرد تعليق زينة، بل محاولة لإعادة رسم المشهد، واستبدال ذاكرة الدمار بألوان الفرح التي حُرم منها الصغار طويلا.
وبين الخيام والمباني المتصدعة، يسيطر شعور الفرح على الأطفال بعد حزن وألم استمر عامين، يركضون فوق الركام وحوله يضحكون ويتنقلون من فانوس إلى آخر، يحاولون الاستمتاع بكل لحظة وانتظار رمضان على أحر من الجمر.
** تقليد سنوي
يقول الفلسطيني ياسر الستاري بينما كان يتفقد الزينة للأناضول، إنهم يحرصون على تزيين الحارة منذ سنوات طويلة ورسم العبارات على الجدران لإدخال الفرح إلى قلوب الأطفال.
ويؤكد أنه رغم الألم والفقدان وتدمير المنازل، إلا أنهم أصروا على مواصلة تنفيذ هذا التقليد السنوي، في مشهد يعكس حب الحياة والأمل والفرحة بقدوم رمضان.
ويضيف الستاري: "نريد أن نعيش بحرية وكرامة، ومن حقنا أن نعيش مثل باقي شعوب العالم".
ويؤكد أنهم سيفرحون بقدوم شهر رمضان حتى لو كان فوق الركام ورغم الفقدان.
ويتابع: "فقدت بيتي وزوجتي وأختي وعددا من أفراد عائلتي، لكننا أبينا إلا أن نرسم البسمة على شفاه الأطفال بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك".
** غياب الكهرباء
ومع غياب الكهرباء، لا تضيء الزينة إلا عبر مولدات صغيرة تعمل لساعات محدودة، لكنها تكفي لتزرع لحظات فرح بين الركام، لتبدو غزة وكأنها تقول إن النور مهما كان ضعيفا قادر على كسر العتمة.
ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية، قطعت إسرائيل إمدادات الكهرباء عن القطاع، كما منعت وما زالت دخول الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الطاقة الوحيدة، رغم اتفاق وفق إطلاق النار.
وتسبب انقطاع التيار الكهربائي عن القطاع بتداعيات كارثة طالت كافة مناحي الحياة لا سيما مزودي الخدمات الحيوية والمستشفيات.
كما عمدت إسرائيل خلال عامي الإبادة إلى استهداف شبكات الكهرباء، حيث دمرت وفق إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، نحو 5 آلاف و80 كيلومترا طوليا من هذه الشبكات، وألفين و285 من محولات توزيع الكهرباء الهوائية والأرضية، حيث بلغ إجمالي خسائر قطاع الكهرباء بغزة نحو 1.4 مليار دولار.
ورغم سريان اتفاق وقف النار منذ 10 أكتوبر الماضي، لم تشهد الأوضاع المعيشية للفلسطينيين تحسنا ملحوظا جراء تنصل إسرائيل من الوفاء بالتزاماتها بما فيها فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء من خيام وبيوت متنقلة.
ويعيش نحو 1.9 مليون نازح، من أصل 2.4 مليون نسمة في القطاع، ظروفا قاسية في خيام مهترئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم خلال الحرب.
وتتواصل هذه الظروف المعيشية الكارثية، رغم إعلان واشنطن منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي دخول المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تشمل انسحابا إضافيا للجيش من القطاع، وبدء جهود الإعمار، وإنشاء قوة استقرار دولية ونزع سلاح حماس وبقية الفصائل.
