عبد الرحمن فتحي
القاهرة- الأناضول
"أرجو مرسي، الذي ذاق كما ذقنا، ألا ينسى المعتقلين من شباب الثورة، وألا يسمع لأذناب النظام السابق الظالم الذي لا ملة له، ونحن معه ننصره بدمائنا وربنا ينصره ويعينه.. ولن نقف مع مرسي إلا إذا اتقى الله فينا والتزم بالعدل".
رسالة وجهها محمد أسامة، أحد المعتقلين السابقين في عهد نظام الرئيس السابق حسني مبارك، إلى الرئيس المصري الجديد محمد مرسي، مؤكدا أنه يدين لثورة 25 يناير بإنقاذه من صنوف "العذاب" التي يحكي لوكالة "الأناضول" للأنباء كيف ولماذا قاسى منها، مؤكدًا أن قسوتها كانت تدفع بعض المعتقلين إلى أن يعرض استعداده لفعل أي شيء حتى الكفر لينجو من العذاب.
يقول أسامة الذي قضى في السجن قرابة العامين ليخرج خلال أيام الثورة الأولى في 31 يناير/ كانون الثاني 2011: "لم أكن منتميًا إلى أي تنظيم أو جماعة، وكل ما حدث أنني التحيت (صار لي لحية) بعد عودتي من عمرة، وقررت الالتزام، وحيث إنني من سكان أرض الجولف (منطقة يسكنها أصحاب الدخل المرتفع) فقد كان ذلك ملفتًا لانتباه الأمن الذين كانوا ينتشرون بكثافة لوجود منزل وزير الإعلام وقتها قرب منزلي".
"وفي تلك الفترة كنت أتردد على المنتديات التي تتابع عمليات المجاهدين في قطاع غزة ضد الاحتلال، واستكشف ما تبثه المواقع المؤيدة للمجاهدين في أفغانستان، وكنت أحرص بحكم عملي في مجال هندسة الكمبيوتر على ألا يلاحظني في هذا أحد".
ويتابع: "خلال فترة الحرب على غزة في 2008 بدأ ضباط أمن الدولة بالقبض على عدد من الملتحين وكنت أحدهم، حيث اقتحموا بيتي قبل الفجر وسط حالة من الفزع بين أفراد أسرتي، وقالوا لأمي ربع ساعة وسيعود إليكي، ولم أعد إلا بعد عامين بعد قيام الثورة".
ويصف أسامة، الذي تم القبض عليه قبل 3 أيام من الموعد الذي كان محددًا لعقد قرانه، الساعات الأولى التي واجهها في مقر أمن الدولة بالقاهرة أنها الأصعب: "حينما وصلنا إلى مقر أمن الدولة قاموا بتجريدي من جميع ملابسي، وتم تغميتي، ولم أرَ النور مدة شهرين مارسوا فيها معي جميع أصناف العذاب الجسدي والنفسي بهدف القضاء على الكرامة الإنسانية، وقالوا لي أنت الآن في أقذر مكان بالعالم، ولا يعلم أحد بك ولن يخلصك أحد حتى ربك".
ويضيف: "إذا ما أراد أحدنا الصلاة فإنه ليس بالضرورة أن يسمح له بذلك كما أنه لم يكن معلومًا اتجاه القبلة حيث كنا نصلي في أي اتجاه، وكانوا يجعلوننا ننام أثناء الشتاء في قاعات مكيفة، وفي الصيف في أماكن مغلقة لا تهوية فيها، وكان يتم إيقاظنا بالضرب على الوجه بالقدم لحرماننا من الشعور بأي قدر من الإنسانية".
ويقول أسامة: "في غرفة التحقيق كانوا يحاولون أن أعترف بأمور لم أقم بها، ويجردونني من ملابسي تماما، ويربطونني على سرير بشكل مؤلم جدًا، ويقومون بكهربتي حيث يقوم 5 أفراد بذلك، وتستمر العملية 4 ساعات في كل مرة تحقيق، وخلال التعذيب يتم تعمد سب الدين والذات الإلهية أمامي".
ويضيف: "أحللت خطيبتي من الخطبة، وملكتها قرار أمرها، وقد تحملت معي فترة في البداية ثم حينما لم يظهر لحالي أفق واضح تم فسخ الخطبة".
ويؤكد أسامة إن من أصعب ما كان يواجهه هو أن قسوة التعذيب كانت تدفع البعض إلى أن يقول للسجان إنه على استعداد أن يتنصر أو يكفر أو يقوم بأي أمر بشرط إنهاء هذه المعاناة.
ورغم التظلمات المتكررة التي كان يحكم فيها لصالحه إلا أنه لم يخرج حتى ثورة 25 يناير، التي يؤكد أسامة أن الفضل لشباب الثورة بعد الله في خروجهم من غياهب المعتقلات بعد أن كان الكثير قد فقد الأمل في الخروج.
ويتابع "كان من أفضل ما رأيت حينما رأيت الرعب في أعين ضباط أمن الدولة حينما قامت الثورة، وفي يوم الغضب تحديدًا (28 يناير 2011) حيث اصفرت وجوههم، وامتلأت أعينهم بالرعب والخوف حتى كادوا يفتكون ببعضهم حينما يدخل عليهم أحدهم ويظنوه من الثوار".
"كان هناك ضابط اسمه سمير زكي قال لنا بعد قيام الثورة: "اليومين القادمين هي أيامكم، ولابد أن تعلموا أننا عبد للمأمور.. كان اسمنا أيام عبد الناصر (الرئيس الراحل) البوليس السياسي، وأيام السادات (الرئيس الراحل) البوليس السري، وأيام مبارك جهاز أمن الدولة، وفي عهد حكمكم سنكون هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ويعتبر أسامة يوم خروجه هو أسعد أيامه، واصفا إياه كالحياة بعد الموت، وقال "خرجت يوم 31 يناير/كانون الثاني، وحينما طمأنت أسرتي نزلت سريعًا إلى ميدان التحرير للمشاركة في ثورة الانتفاضة على الجبروت والظلم والتي كانت السبب في نجاتي".
ويؤكد أسامة أنه لم يواجه أي صعوبات في حياته بعد خروجه، وكان كل من يعلم قصته يتعاطف معه ويدعمه بشتى الطرق حتى حصل على عمل جيد في إحدى الشركات الكبرى في مجال الكابلات.
وعن زواجه قال: "تزوجت بعد خروجي بأشهر قليلة، وقالت زوجتي إن أكثر ما جذبها إليَّ تجربتي مع المعتقل"، معتبرًا نفسه يعيش حياة هنيئة وسعيدة.
ويبعث أسامة رسالة إلى الرئيس المصري الجديد، محمد مرسي، يقول فيها: "أرجو مرسي الذي ذاق كما ذقنا.. ألا ينسى المعتقلين من شباب الثورة، وألا يسمع لأذناب النظام السابق الظالم الذي لا ملة له، ونحن معه ننصره بدمائنا وربنا ينصره ويعينه.. ولن نقف مع مرسي إلا إذا اتقى الله فينا والتزم العدل".
عف/إب/حم