مقديشو/ نور جيدي/ الأناضول
أجمع خبراء أمنيون وعسكريون على أن قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، توسيع الضربات الجوية لمقاتلي "حركة الشباب" الصومالية لن يقضي نهائيا على الحركة، بقدر ما يجبرها على خسارة بعض المناطق، وشل قدراتها على استهداف المقار الحكومة والعسكرية داخل الصومال وحلفاء واشنطن في المنطقة.
هؤلاء الخبراء الصوماليون، وفي أحاديث للأناضول، ذهبوا إلى أن القضاء على الحركة تماما يتطلب أيضا شن حرب أيديولوجية، فضلا عن عملية برية شاملة تشنها القوات الصومالية والإفريقية، فيما فضل أحدهم "حرب الغوريلا"، أي أسلوب الكر والفر من آن إلى آخر.
ووافق ترامب، الذي تولى السلطة قبل أكثر من شهرين، في 29 مارس/ آذار الماضي، على خطة لوزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) تمنح القيادة العسكرية الأمريكية الإفريقية صلاحيات بشن غارات جوية مكثفلة ودقيقة، لحرمان الحركة من الملاذات الآمنة، التي يمكن أن تهاجم من خلالها مواطنين أمريكيين أو مصالح أمريكية في المنطقة، فضلا عن دعم القوات الصومالية والإفريقيىة في حربها ضد الحركة.
وتأسست حركة الشباب الصومالية، عام 2004، وهي حركة مسحلة متمردة، تتبنى تفسيرا متشددا للشريعة، وتتبع فكريا لتنظيم القاعدة، وتتهم بالوقوف وراء العديد من الهجمات ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى.
** الحرب الإيديولوجية
وقال رئيس مركز "الإرشاد للحوار الفكري" (غير حكومي)، عبد الرحمن سهل، إن "التفويض الأمريكي بزيادة الضربات الجوية ضد مقاتلي الشباب لا يساعد أصلا في إنهاء تمرد الحركة بهذه السهولة؛ نظرا لتمددها وخططها التي تبدأ بالحرب الإيديولوجية وصولا إلى التهديدات والقتل".
ومضى "سهل" قائلا، في حديث مع الأناضول، إن "هذا التفويض يأتي ضمن سبل جديدة للحد من مخاطر هجمات الحركة ضد المقار العسكرية للقوات الإفريقية العاملة تحت مظلة قوات حفظ السلام في الصومال".
واعتبر أن هذه الخطوة "ربما تشكل منعطفا وتصعيدا جديدا للأنشطة العسكرية الأمريكية ضد حركة الشباب، من حيث تكثيف الغارات الجوية على مناطق مقاتلي الشباب، واستهداف عناصرها البارزة، رغم أن الحركة تعتبر الغارات الجوية هجمات عادية.. لن يكون تكثيف الغارات مميتا للحركة بقدر ما يبث الرعب في نفوس أتباعها وأنصارها".
وتوقع عبد الرحمن أن "تكثيف الغارات الجوية ربما يعجل بنهاية أبدية لعمليات حركة الشباب إذا ترافقت هذه الغارات مع عملية برية شاملة تقوم بها القوات الإفريقية والصومالية، على غرار عملية القضاء على مقاتلي المحاكم الإسلامية عام 2006".
ومؤخرا، أعلنت الحكومة الصومالية الجديدة، التي أقرها البرلمان في اليوم نفسه الذي اتخذ فيه ترامب قراره، عن تكريس جهودها، بالتعاون مع حلفائها الدوليين للقضاء على الإرهاب، في إشارة إلى حركة الشباب، التي هددت في المقابل بتقويض هذه الحكومة.
ويعاني هذا البلد العربي، البالغ عدد سكانه 10.8 مليون نسمة والواقع في منطقة القرن الإفريقي، من فوضى أمنية منذ انهيار الحكومة المركزية واندلاع حرب أهلية عام 1991.
** خسائر متوقعة للحركة
بدوره، رأى علي جبريل الكتبي، مدير المعهد الصومالي للدراسات الأمنية (غير حكومي)، أن "توسيع رقعة الغارات الجوية الأمريكية ضد مقاتلي الشباب ربما يكون لصالح شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب، أكثر من أنه يهدف إلى تقويض الحركة، التي تشكل تحديا في المنطقة، بشكل نهائي".
وذهب جبريل، في حديث للأناضول، إلى أن "القرار الأمريكي سيجبر الحركة على التراجع وخسارة مناطق جديدة والحد من تحركاتها، على عكس ما تنفذه الحركة حاليا من هجمات دموية ضد فنادق ومقار حكومية في العاصمة مقديشو".
وحول توقيت هذا القرار الأمريكي، قال جبريل إن "القرار كان موجودا في فترة الرئيس (الأمريكي) السابق (باراك) أوباما (2009-2017)، ويأتي ضمن الحرب على الإرهاب والدفاع عن مصالح واشنطن".
واعتبر أن "الرئيس ترامب تعجل في إقراره، على أمل أن يفي بتعهده، خلال حملته الانتخابية، باجتثاث جذور الإرهاب، الذي يهدد الشعب الأمريكي أينما كان، بما فيه حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة".
والصومال هو أحد سبع دول ذات أغلبية مسلمة في الشرق الأوسط أصدر الرئيس الأمريكي، في 27 يناير/ كانون ثان الماضي، أمرا تنفيذيا بمنع دخول مواطنيها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة تسعين يوما، إضافة إلى كل من سوريا والعراق وإيران واليمن وليبيا والسودان؛ بدعوى العمل على حماية الأمريكيين من هجمات إرهابية.
** حرب "الغوريلا"
توسيع صلاحيات القوات الأمريكية في المنطقة في هذا التوقيت، وفق خبراء، يعكس فشل القوات الإفريقية في الدفاع عن قواعدهم العسكرية بالصومال في مواجهة مقاتلي حركة الشباب، بجانب تلبية مطالب دول الجوار، وخاصة كينيا، التي دعت واشنطن مرار إلى التدخل في القتال ضد الحركة؛ في مواجهة تهديداتها لدول المنطقة.
وبحسب الخبير العسكري المتقاعد، أبشر روبو، في حديث مع الأناضول، فإن "إطلاق حملة عسكرية أمريكية جوية ضد معاقل حركة الشباب في الصومال لا يعجل بنهاية حركة الشباب المجاهدين".
وهو ما فسره روبو بأن "اجتثاث جذور الحركة يتطلب استراتيجية عسكرية شاملة، وتغيير آليات وأساليب القتال العسكرية لدى القوات الصومالية والإفريقية، بحكم أن استراتيجية القتال المناسبة مع الحركة ليست هي الحرب المباشرة، بل ما يعرف بحرب الغوريلا، أي الكر والفر بين الحين والآخر".
ورجح أن "الحملة الأمريكية ستضغط على مقاتلي الشباب، وتحد من تحركاتهم نهارا لشن هجمات على المقار العسكرية الإفريقية والصومالية، بجانب تقليل مخاطر الحركة على شركاء واشنطن الإقليميين في الحرب على الإرهاب".
وحول إدراج مناطق بجنوبي الصومال تحت بند "المناطق العدائية النشطة"، قال الخبير العسكري الصومالي إن "هذه الخطوة ستمنح الحكومة الصومالية الجديدة مزيدا من التعاون العسكري مع شركائها في العالم، ضمن الحرب على الإرهاب، بجانب فرص التدريب العسكري وتسليح القوات الحكومية، والتي كانت تقدمها دول محدودة لرفع قدرات القوات الحكومية ضد مقاتلي الحركة".
وتتصاعد تحذيرات ومخاوف داخل الصومال من احتمال وقوع خسائر بشرية بين المدنيين؛ جراء توسيع واشنطن غاراتها الجوية ضد حركة الشباب، عبر استهداف أي نشاط أو تجمع قد يشتبه في صلته بالحركة، التي تسيطر على مدن وقرى جنوب ووسط الصومال.
** أبعاد اقتصادية
ووفق خبراء فإن تكثيف الغارات الأمريكية قد يحمل أبعاد اقتصادية بقدر ما يحمل أبعادا عسكرية، حيث بات الصومال بموقعه الجغرافي مماً استراتيجيا حيويا للتجارة الدولية؛ ما جعله موضع تنافس بين القوى الدولية والإقليمية لإيجاد موطئ قدم لها، ما استدعى من واشنطن اتخاذ هذا القرار لإثبات وتكثيف وجودها العسكري في الصومال، الذي يترأسه حاليا محمد فرماجو، وهو يحمل أيضا الجنسية الأمريكية.
وجاء قرار توسيع الغارات الجوية الأمريكية في الصومال، في وقت تبحث فيه الحكومة الصومالية الجديدة استراتيجية ودعما خارجيا للقضاء على تهديدات حركة الشباب.
ويشكك خبراء في وجود تنسيق عسكري مسبق بين الجانب الصومالي والقوات الأمريكية، التي تسعى إلى تكثيف حربها على حركة الشباب، التي تحارب القوات الحكومية والإفريقية في الصومال.
news_share_descriptionsubscription_contact
