تركيا, التقارير

جامع "والدة الجديد" بإسطنبول.. تراث جمالي متجدد على مدار القرون (تقرير)

- شُيّد بين عامي 1708 و1711 بأمر من غُلنوش أمت الله سلطان ويجسّد مرحلة انتقالية بين الكلاسيكية العثمانية ولمسات التجديد في العصر الثامن عشر

Rüveyda Mina Meral, Ali Osman Kaya, Hişam Sabanlıoğlu  | 24.02.2026 - محدث : 24.02.2026
جامع "والدة الجديد" بإسطنبول.. تراث جمالي متجدد على مدار القرون (تقرير)

Istanbul

إسطنبول/ رويدة مينا مرال، علي عثمان قايا/ الأناضول

- شُيّد بين عامي 1708 و1711 بأمر من غُلنوش أمت الله سلطان ويجسّد مرحلة انتقالية بين الكلاسيكية العثمانية ولمسات التجديد في العصر الثامن عشر
- صمم المسجد ضمن مجمع يشمل مدرسة ومطبخا لإطعام المحتاجين وضريحا وسبيلا وخزان مياه ومحال تجارية إضافة إلى جناح سلطاني
- البيوت الصغيرة المخصّصة للطيور والمنحوتة على جدران المسجد تُعد من أوائل نماذجها في العمارة العثمانية

يقف جامع والدة الجديد شامخا في ميدان أوسكدار، مزينًا أفق الضفة الآسيوية لإسطنبول، بوصفه أحد أبرز المساجد السلطانية التي تجمع بين التأثير القوي للعمارة العثمانية الكلاسيكية واللمسات الزخرفية الرقيقة التي ميّزت "عصر الزنبق" في مطلع القرن الثامن عشر.

ويبرز جامع "والدة الجديد" كأيقونة معمارية تجسد مرحلة التحول في الفن العثماني؛ حيث تتمازج فيه رصانة الطراز الكلاسيكي مع إرهاصات التجديد في الزخارف والعناصر الجمالية.

وعلى مدار أكثر من 3 قرون، ظل المسجد محافظاً على شموخه المعماري وثقله الروحي، شاهداً على حيوية التراث العثماني في قلب المدينة التاريخي.

** مجمع معماري

بدأ تشييد المجمع في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1708 بأمر من غُلنوش أمت الله سلطان، والدة السلطان أحمد الثالث، وافتُتح المسجد للعبادة في 5 مارس/ آذار 1711.

وإلى جانب المسجد، يضم المجمع مدرسة ابتدائية، ومطبخا لإطعام المحتاجين، وضريحا، ومقبرة ملحقة، وسبيلاً، ونافورة، وخزان مياه، ومكانا مخصصا لغسل الموتى، ومحال تجارية، إضافة إلى جناح سلطاني.

يرتفع المسجد عن مستوى الأرض بدرجات حجرية، ويتوسطه فناء ذو أروقة، تعلوه قبة مركزية تستند إلى نظام دعائم ثماني الأضلاع مدعوم بأقواس ترتكز على أعمدة ضخمة.

وصُمم المحراب الرخامي بأبعاد مهيبة، وزُيّن بطريقة تعكس مهارة صناعة البلاط والخزف في ولاية كوتاهية (غرب)، بينما يلفت الأنظار "محفل السلطان" الواقع إلى يسار المحراب، والمتصل مباشرة بالجناح السلطاني.

ويُعد السبيل والضريح المجاوران من أكثر عناصر المجمع أناقة، ويتميّز ضريح غُلنوش أمت الله سلطان، التي توفيت عام 1715، بتصميمه المثمّن وشبابيكه البرونزية وحزام آية الكرسي الذي يحيط بجدرانه.

المجمع الذي خضع لترميم شامل عام 1940، شُيّد وفق تخطيط تتوسطه كتلة المسجد، تحيط بها ساحة خارجية واسعة، بينما أُقيم مطبخ المسجد على مقربة من البحر في موقع مستقل.

** مرحلة انتقالية

الأكاديمي المختص في تاريخ الفنون الإسلامية بجامعة مرمرة، محمود سامي كانباش، أوضح في حديثه للأناضول أن جامع "والدة الجديد" يُعد من أبرز مساجد السلاطين في أوسكدار.

ولفت كانباش إلى أن الجامع يعكس بوضوح روح المرحلة الانتقالية بين الطراز الكلاسيكي الذي رسّخه المعمار العثماني في القرن السادس عشر، وملامح التجديد التي ظهرت فيما يسمى بـ"عصر الزنبق".

ويُطلق اسم "عصر الزنبق/ التوليب" على فترة حكم السلطان العثماني أحمد الثالث (1718 ـ 1730)، نظرا لانتشار زراعة هذه الزهرة في العاصمة إسطنبول آنذاك، حيث أقبل السكان على زراعتها على نطاق واسع جدا حتى غدت رمزا لتلك الحقبة.

وأشار كانباش إلى أن غُلنوش أمت الله سلطان عُرفت بأعمالها الخيرية، لافتًا إلى وجود لوحة داخل المسجد تحمل توقيع السلطان أحمد الثالث، الذي كان خطاطًا.

وأفاد أن السلطان كتب في اللوحة عبارة "الجنة تحت أقدام الأمهات"، معتبرًا أن المسجد يمكن النظر إليه بوصفه "أثرًا يجسّد محبة السلطان لوالدته".

وأضاف أن المجمع لم يقتصر على الوظيفة الدينية، بل ضمّ دارًا للقرآن ودارًا للحديث ومرافق اجتماعية أُنشئت لخدمة العامة، ما يعكس البعد المؤسسي للمجمع بوصفه مركزًا دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا في آن واحد.

** تقاليد رمضانية

وذكر كانباش أن الجامع يعكس أيضًا تقاليد رمضانية متجذّرة في أوسكدار، حيث تتعاقب الأذانات بين جامع "والدة الجديد" وجامع مهرماه سلطان، في قراءة متبادلة توحي بروح تنافس رمزي بين المسجدين.

كما أشار إلى أن صلاة التراويح كانت تُقام وفق أسلوب "الإندرون" العثماني، إذ تُؤدى الصلوات بمقامات صوتية مختلفة، ويُردد المؤذنون الصلوات والأناشيد بالمقام نفسه الذي يلتزم به الإمام، في مشهد يجمع بين الروحانية والانسجام الصوتي.

ومن جهة أخرى، لفت كانباش إلى وجود البيوت الصغيرة المخصّصة للطيور والمنحوتة على جدران المسجد، والتي تُعد من أوائل نماذجها في العمارة العثمانية.

واعتبر أن هذه البيوت "تجسيد لثقافة الرحمة تجاه الكائنات الحية"، إذ صُممت على هيئة نماذج مصغّرة لبيوت أو مساجد، لتكون مأوى للحمام والعصافير.

وأوضح أن أوسكدار كانت تتحول في رمضان إلى فضاء نابض بالحياة، حيث تُعلّق اللافتات الضوئية، وتُنصب موائد الإفطار مبكرًا، وتُوزع الأطعمة في أوقات الإفطار والسحور، في أجواء تجمع بين العبادة والحياة الاجتماعية.

كما أشار في ختام حديثه إلى أن جامع "والدة الجديد" يواصل اليوم كما الأمس، أداء دوره الديني والاجتماعي، "محافظًا على مكانته كأحد أبرز المعالم المعمارية في أوسكدار، وشاهدًا حيًا على تداخل الفن والروحانية في الذاكرة العثمانية لإسطنبول".

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.