İbrahim Ramadan
14 أبريل 2017•تحديث: 16 أبريل 2017
غازي عنتاب/ فريدة بلين إنال/ الأناضول
كانت مجرد أمنية لدى طفل مريض بالتوحد، خطرت بباله يوما ما وهو هائم بين هواجسه في غرفته، حلم حينها أن يصبح عازفا عالميا للبيانو، مثل سائر الأسماء اللامعة العاملة بهذا الفن، والتي يشاهدها على شاشات التلفاز، ويقرأ ما كُتب عنها في صفحات المجلات.
لكنَ أسرة الطفل التركي "جانر سارين"، اكتشفت هذا الحلم بين عيني ابنها، وراحت تعمل على تحقيقه، غير عابئةً بالاضطرابات العقلية التي يتعرض لها باستمرار.
تحركت الأسرة، على أمل أن يأتي يوم يجد فيه ابنها حياة جديدة، ترسم على وجهه الابتسامة التي حلم بها، وهو فوق خشبة المسرح والجمهور يصفق له بحرارة، وأصواتهم لا تتوقف من الإطراء عليه.
تبدأ قصة جانر (29 عاما)، كما توضح أمه فلز سارين، قبل أن يتم عقده الأول حين أعدته نفسيا للمشاركة في دورات لتعلم فنون الموسيقى، ثم شراء جدته له آلة الأورغ (تشبه البيانو)، دون إهمال دراسته في المرحلة الابتدائية والإعدادية.
تضيف سارين: "لا أنكر، ففور تأكدنا من مرض ابننا بالتوحد، شعرنا أننا وسط بحر تعصف بنا أمواجه من كل اتجاه، وواجهنا أياما صعبة للغاية مثل سائر الأسر المصاب أبناؤها بهذا المرض، لكننا تمالكنا أنفسنا سريعا، وقررنا التخطيط للمرحلة المقبلة، ولم نجد أبرز من التعليم لنهتم به".
وتتابع هي تبتسم "تأكدنا حينها من الموهبة الفذة التي يتمتع بها جانر على الرغم من ظروفه الصحية، واتفقنا مع معلم خاص للموسيقى للتعاون معه، وعندما اكتشفنا ولعه بالحفلات الموسيقية والعازفين، بدأنا بأخذه إلى كافة الحفلات التي يرغب في حضورها، أيا كان مكانها".
وتضيف والدته "تعلم جانر العزف على البيانو في وقت أقل من المتوقع بكثير، على الرغم من بقاء أعراض التوحد واضحة عليه، وصرنا متعودين على حركاته المتكررة والنمطية التي يقوم بها بيديه وأصابعه، ومع الوقت لم تعد تسبب أي مشكلات".
وتضيف "على مر السنين، أتقن جانر العزف لكنه لم يتعلم أسلوب الوقوف على خشبة المسرح وتحية الجمهور والتفاعل معهم، وهذه الأمور ركزنا عليها خلال المراحل التالية، إلى أن وصل إلى مستوى لم يخطر ببالنا أن يبلغه يوما ما".
من جانبه، يقول حمدي حكمت غاجين، معلم جانر الموسيقى "نعمل معا منذ 9 سنوات، لم يكن الأمر سهلا إطلاقا، كنا نتحرك ببطء وكأننا ننقش على الماء، لكن موهبة جانر لم تعرف اليأس، وراحت تتطور يوما بعد آخر".
وعن برنامج تدريبه، يوضح غاجين، أنه يعمل مع جانر 6 أيام أسبوعيًا، ويعقدان جلسات متنوعة عن الموسيقى لا تتعلق بالبيانو وحسب. ويوضح: "بعد 4 سنوات ونصف السنة من التدريب، اكتشفت قدرة جانر على العزف على آلة الغيتار، الأمر الذي أسعد كثيرا القادمين إلى حفلاته".
ويضيف "خلال السنوات الثماني الماضية، نظم جانر ما يزيد عن 20 حفلة داخل تركيا وخارجها، وستتواصل حفلاته إن شاء الله، حتى يعلم العالم بهذه الموهبة".
أمّا جانر فيقول عن نفسه: "أعشق الموسيقى، وأعزف البيانو منذ طفولتي، كما أحب كثيرا عازفي البيانو الكبار، مثل فاضل صاي وعائشة غول ألدينج وباريش مانجو، وأحب حضور الحفلات الموسيقية".
ويضيف: "أعشق أيضا الصعود على خشبة المسرح، وأشعر بسعادة لا توصف وأذني تتلقى أصوات تصفيق الجمهور".
ومرض التوحد، هو اضطراب عصبي يؤدي إلى ضعف التفاعل الاجتماعي والتواصل لدى الأطفال، وتتطلب معايير تشخيصه ضرورة أن تصبح الأعراض واضحة قبل أن يبلغ الطفل من العمر 3 سنوات، ويؤثر التوحد على عملية معالجة البيانات في المخ.
ويعاني مرضى التوحد من حالات مرضية أخرى مثل الربو، واضطرابات الجهاز الهضمي، والتهابات فيروسية مستمرة، واضطرابات النوم، واختلال التكامل الحسّي، واضطرابات التغذية، والصرع.
ولا يوجد علاج للتوحد، لكن اكتشاف الحالة مبكرًا يساعد على إجراء تدخلات تخفّف من الأعراض، وبشكل عام هو ليس بالحالة الصحية الميؤوس منها.
ووفقًا للمراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن حوالي 1-2 من كل 100 شخص يصابون بالمرض حول العالم، ويصاب به الذكور أكثر من الإناث بأربع مرات.