مسجد "لاله لي" بإسطنبول.. العمارة العثمانية بين الكلاسيكية والباروك (تقرير)
أحد أبرز المعالم المعمارية في شبه الجزيرة التاريخية بإسطنبول.. مسجد "لاله لي" يُعد نموذجا يعكس مرحلة التحول من العمارة العثمانية الكلاسيكية إلى الأسلوب الباروكي.
Istanbul
إسطنبول/ علي عثمان قايا – رويدة مينا مرال/ الأناضول
الأكاديمي والمؤرخ الفني ياسين صايغيلي:- مسجد "لاله لي" شُيّده السلطان مصطفى الثالث بعد أن أصبح الأسلوب الباروكي أكثر وضوحًا في العمارة العثمانية
- المسجد يُظهر بوضوح تأثيرات الفنون الأوروبية والشرقية في آن واحد
- تميزت زخارف المسجد الداخلية باستخدام ألواح الرخام التي منحت الفضاء الداخلي طابعًا غنيًا وفخمًا
أحد أبرز المعالم المعمارية في شبه الجزيرة التاريخية بإسطنبول.. مسجد "لاله لي" يُعد نموذجا يعكس مرحلة التحول من العمارة العثمانية الكلاسيكية إلى الأسلوب الباروكي.
كما يُنظر إلى مسجد "لاله لي" على أنه آخر مسجد سلطاني أُنشئ ضمن مجمع معماري متكامل في إسطنبول خلال العهد العثماني.
وشبه الجزيرة التاريخية في إسطنبول هي المنطقة الواقعة داخل الأسوار التاريخية للمدينة.
** محطة معمارية
يعتبر مسجد "لاله لي" من المساجد السلطانية في إسطنبول (بنيت بأمر السلاطين العثمانيين)، ويمثل إحدى أبرز المحطات المعمارية في مسار تطور العمارة العثمانية بين الأسلوب التقليدي والتأثيرات الأوروبية.
بُني مسجد "لاله لي" بأمر من السلطان مصطفى الثالث بين عامي 1760 و1764، وصممه أحد معماريي البلاط في تلك الفترة محمد طاهر آغا، ويُعد من أبرز المباني التي تظهر فيها التأثيرات الباروكية في العمارة العثمانية.
وانتشر الطراز "الباروكي" بالزخرفة في أوروبا في القرن السادس عشر للميلاد، بدءًا من إيطاليا والنمسا وإسبانيا وجنوبي ألمانيا، ثمّ ما لبث وأن انتشر في بقيّة أنحاء أوروبا مع حلول القرن السابع عشر.
ولم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل خُطط ليكون مركز مجمع معماري واسع ضمّ إلى جانب المسجد منشآت عديدة، منها مطبخ خيري، وسوق تجارية ومحال، ومدرسة، وسبيل ماء، وعدد من النوافير، إضافة إلى ضريح وخان.

ومن الناحية المعمارية، يمثل المسجد نموذجا يجمع بين التخطيط التقليدي للمساجد العثمانية وبين الزخارف والأساليب الباروكية.
وتقوم القبة المركزية للمسجد على ثماني دعائم، بينما تسهم أنصاف القباب والنوافذ الواسعة في منح الفضاء الداخلي مظهرًا رحبًا ومضيئًا.
ويقع المجمع في منطقة ارتبطت تاريخيًا بالحياة التجارية في المدينة، حيث لعبت المحال التجارية التابعة للأوقاف دورًا مهمًا في توفير الموارد المالية اللازمة لإدارة المجمع وخدماته.
وتعرض المسجد عبر تاريخه لعدد من الكوارث الطبيعية، لكنه خضع لعمليات ترميم في فترات مختلفة، ما ساعد على بقائه حتى اليوم.
** اسم غائب
وفي تقييمه للخصائص المعمارية والتنظيمية والزخرفية للمسجد يقول الأكاديمي والمؤرخ الفني ياسين صايغيلي للأناضول إن مسجد "لاله لي" شُيّد بعد أن أصبح الأسلوب الباروكي أكثر وضوحًا في العمارة العثمانية عقب بناء مسجد نور عثمانية".
ويشير إلى أن المسجد "يجمع بين التأثيرات الباروكية والملامح الكلاسيكية للعمارة العثمانية".
ويلفت صايغيلي، إلى أن "السلطان مصطفى الثالث كان من أبرز السلاطين الذين قادوا جهود إعادة إعمار إسطنبول بعد عدد من الزلازل والحرائق الكبيرة التي شهدتها المدينة".
ويوضح أن السلطان مصطفى الثالث "أعاد بناء مسجد الفاتح الذي شيده السلطان محمد الفاتح بعد أن تعرض للهدم، كما شهدت فترة حكمه إعادة بناء العديد من المنشآت التي تضررت في المدينة ومحيطها".
ويضيف صايغيلي، أن السلطان مصطفى الثالث "اشتهر ببناء عدد كبير من المساجد، رغم أنه لم يُطلق اسمه على أي منها"، مشيرًا إلى أن "مساجد مثل مسجد الإسكلة ومسجد آيازما ومسجد لاله لي بُنيت جميعها في عهده".

** ملامح التحول
ويبين صايغيلي أن "مسجد لاله لي يُظهر بوضوح تأثيرات الفنون الأوروبية والشرقية في آن واحد".
ويشير إلى أن "الزخارف المنحنية على شكل حرفي (S) و(C)، وطريقة تزيين القبة، واستخدام النوافذ الزجاجية الملونة، إضافة إلى كثرة اللوحات الخطية والنقوش الكتابية، تمثل سمات بارزة لهذا التحول".
ويضيف أن من "مظاهر هذا التحول أيضا تراجع استخدام البلاطات الخزفية في التزيين مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يعكس تغير الذائقة الفنية في تلك المرحلة من تاريخ العمارة العثمانية".
ويشير صايغيلي، إلى أن المسجد "شُيّد أساسًا باستخدام الحجر المنحوت، فيما تميزت الزخارف الداخلية باستخدام ألواح الرخام التي منحت الفضاء الداخلي طابعًا غنيًا وفخمًا".
** وسط تجاري
ويلفت صايغيلي، إلى أن "الموقع الذي بُني فيه المسجد كان منطقة تجارية نشطة، وهو ما انعكس على تصميمه المعماري".
ويقول إن الطابق الأرضي للمجمع "خُصص للمحال التجارية، بينما بُني المسجد على مستوى أعلى فوق هذه المحال.
ويضيق أن المسجد يشبه في فكرته المعمارية نموذج مسجد رستم باشا بمنطقة "أمينونو" في اسطنبول الذي شُيّد في قرون سابقة "بهدف استثمار الأرض تجاريًا لتوفير موارد مالية للأوقاف، وفي الوقت نفسه منح المسجد موقعًا مرتفعًا يضفي عليه طابعًا أكثر هيبة وروحانية".

** آخر مجمع سلطاني في إسطنبول
ويشير صايغيلي إلى أن مسجد لاله لي "يمثل محطة انتقالية في العمارة العثمانية قبل ظهور مساجد لاحقة مثل مسجد برتونيال والدة سلطان"، موضحًا أن المسجد يمكن اعتباره "أحد نماذج المساجد التي تجسد مرحلة التحول المعماري".
ويضيف أن "مسجد لاله لي، بما يضمه من سبيل ومنشآت تجارية ومدرسة، يُعد آخر مجمع معماري متكامل بناه أحد السلاطين في إسطنبول".
ويوضح صايغيلي أنه "رغم استمرار السلاطين العثمانيين في بناء المساجد لاحقًا، مثل مساجد مجيدية ومسجد يلدز ومساجد والدة السلطان، فإن تلك المشاريع لم تعد تُشيّد ضمن صيغة المجمعات الكبيرة التي تضم مؤسسات متعددة مثل المدارس والأسبلة والأضرحة".
ويختم حديثه بالقول إن "مجمع لاله لي الذي شيده السلطان مصطفى الثالث وصممه المعماري محمد طاهر آغا يُعد بذلك آخر مجمع سلطاني متكامل في إسطنبول خلال العهد العثماني".
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
