Sarajevo
سراييفو/ إسماعيل أوزدمير/ الأناضول
- أسسها القائد العثماني غازي خسرو بك في سراييفو عام 1537 رغم الحروب والتحولات السياسية- تعتمد المدرسة نظام قبول انتقائي، فلا تستقبل إلا الطلبة المتفوّقين بعد إتمام تسع سنوات من التعليم الأساسي
- الطالب حميد أردم يلدرم أحد خريجي المدرسة: أن تقول إنك تدرس في مدرسة أسّسها أجدادنا، لهو مصدر فخر حقيقي
- أحمد زاهد يامان، أحد الخريجين: المدرسة تمنح خريجيها قاعدة معرفية متوازنة دينية وعلمية واجتماعية
في مدينة تغيّرت خريطتها السياسية مرات عديدة، وبقيت ذاكرتها معلّقة بين الشرق والغرب، تواصل مدرسة غازي خسرو بك تأدية رسالتها التعليمية منذ ما يقرب من خمسة قرون.
هنا في هذه المدرسة الواقعة في قلب سراييفو التاريخية، لا تُدرَّس المواد فحسب، بل يُصان الزمن نفسه، إذ تحتفل المدرسة هذا الشهر بالذكرى السنوية الـ489 على تأسيسها، من دون أن ينقطع خيط التعليم يومًا واحدًا.
تأسست المدرسة في 8 يناير/ كانون الثاني 1537 على يد القائد العثماني غازي خسرو بك، حفيد السلطان بايزيد الثاني (من جهة الأم)، لتغدو سريعًا إحدى ركائز العمران والمعرفة في البوسنة والهرسك.
وتقع المدرسة في منطقة باشجارشي العتيقة، ضمن مجمّع صاغ ملامح المدينة وحوّلها من بلدة متواضعة إلى مركز حضري وتجاري وثقافي في البلقان.
وعلى الرغم من تعاقب الحروب والأزمات، من الحكم العثماني إلى الحقبة اليوغوسلافية الشيوعية، ثم حرب البوسنة (1992–1995) وحصار سراييفو، لم تتوقف المدرسة عن تأدية رسالتها التعليمية.
وخلال سنوات الحصار تحوّلت المدرسة إلى رمز لصمود المعرفة في مدينة كانت تتعرّض للقصف اليومي.
ويزيد من حضورها الثقافي أن مبانيها شُيّدت بأيد خبيرة من حجّاري مدينة دوبروفنيك (مدينة كرواتية تعرف تاريخيًا باسم راغوزة)، ما يعكس تداخلًا حضاريًا مبكرًا لا يزال ملموسًا حتى اليوم.
وتعتمد المدرسة نظام قبول انتقائي، إذ لا تستقبل إلا الطلبة المتفوّقين بعد إتمام تسع سنوات من التعليم الأساسي في البوسنة والهرسك.
وتجمع مناهجها بين العلوم الدينية والمواد العلمية الحديثة، مع تدريس لغات عدّة، في مقاربة تجعلها أقرب إلى ثانوية نخبوية ذات جذور تقليدية عميقة.
** امتياز دراسي
الطالب حميد أردم يلدرم، أحد خريجي المدرسة ويواصل دراسته الجامعية ضمن برنامج مزدوج بين جامعة سراييفو الدولية وجامعة إسطنبول التقنية، يقول إن اختيار مدرسة غازي خسرو بك كان حلمًا مبكرًا بالنسبة له.
ويضيف أن مستوى التعليم الديني بالمدرسة، من الفقه إلى قراءات القرآن والتجويد، بلغ درجة عالية من الإتقان، إلى جانب دراسته مواد علمية كان لها أثر مباشر في مساره الأكاديمي.
ويتابع يلدرم قائلًا: "أن تقول إنك تدرس في مدرسة أسّسها أجدادنا، لهو مصدر فخر حقيقي بالنسبة لي".
أما أحمد زاهد يامان، أحد خريجي المدرسة ويدرس الهندسة الميكانيكية ضمن البرنامج المزدوج ذاته، فيؤكد أن المدرسة قدّمت له قاعدة معرفية متوازنة، دينية وعلمية واجتماعية.
ويضيف يامان لمراسل الأناضول أن المدرسة تنظم نشاطات طلابية ورحلات تعليمية تشمل دولًا أوروبية، إضافة إلى توفيرها بيئة داخلية (السكن والأنشطة) تساهم في المحافظة على وعي تاريخي حيّ لدى الطلبة.
** تخريج نخب الدولة
وعلى مدار قرون، خرّجت المدرسة شخصيات بارزة في الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية البوسنية.
المدرسة التي تُعرف محليًا باسم "قورشونية" (قورشون يعني الرصاص بالتركية) بسبب سقفها المغطّى بالرصاص، تحمل عند مدخلها نقشًا يلخّص فلسفتها يقول: "هذا البناء شُيّد لمن يطلبون العلم ومحبة الله.. غازي خسرو بك فخر العدل ومصدر النية الحسنة".
وتُظهر وثائق وقف المدرسة أنها شُيّدت إحياءً لذكرى سلجوق خاتون والدة غازي خسرو بك، وأنها ظلّت مركز جذب لعائلات بوسنية تبحث عن تعليم جيد متعدد اللغات (البوسنية، الإنجليزية، العربية، والتركية).
وبينما يُنسب لقب "مؤسس سراييفو" إلى الوالي إسحاق أوغلو عيسى بك، تُجمِعُ المصادر على أن غازي خسرو بك هو من رسّخ المدينة كعاصمة للعلم والتجارة في البلقان.
ورغم مرور 489 عامًا، لا تزال مدرسة غازي خسرو بك شاهدة على التاريخ، لا كأثرٍ وحسب، بل كمؤسسة حيّة تُثبت أن التعليم، حين يُصان، قادر على الصمود في وجه الزمن وحمل شعاع العلم عبر الأجيال.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
