Lebanon
طرابلس (لبنان) / وسيم سيف الدين / الأناضول
- رمضان يتحول إلى تجربة تجمع التراث والحداثة في الأسواق والشوارع والمساجد وما يقام فيها من فعاليات- مفتي طرابلس الشيخ محمد إمام: رمضان موسم ديني واجتماعي وثقافي تتغير معه أنماط العمل والدراسة
- للشهر الكريم مكانة خاصة في قلوب أهل طرابلس وشمالي لبنان لما فيه من عبق روحي وبهجة اجتماعية
- تتجلى مظاهره بصلاة التراويح وقيام الليل ووجبات السحور واجتماع العائلات على موائد الإفطار وتبادل الزيارات
مع حلول شهر رمضان المبارك تكتسي مدينة طرابلس ومناطق شمالي لبنان بأجواء روحانية واجتماعية خاصة، في محطة جامعة للعبادة والتكافل الأسري، وسط تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة.
رمضان في طرابلس ليس مجرد موسم ديني، بل حدث اجتماعي ثقافي متجذّر في الحياة اليومية، تتغير معه أنماط العمل والدراسة وتنبض الشوارع والمساجد والأسواق بإيقاع يعكس خصوصية شهر الصوم في الوجدان الشعبي.
** هوية اجتماعية وثقافية
مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، يقول إن رمضان "يحمل مكانة خاصة في قلوب أهل طرابلس والشمال، لما فيه من عبق روحي وبهجة اجتماعية، وخصوصيات تميّزه عن باقي شهور السنة".
وفي حديثه للأناضول، يوضح أن مظاهر الشهر تتجلى في صلاة التراويح وقيام الليل ووجبات السحور واجتماع العائلات على موائد الإفطار، إضافة إلى تبادل الخيرات والزيارات الاجتماعية.
وعن صلاة التراويح، يشير إمام إلى أنها تتحوّل إلى مناسبة للقاء أفراد الأسرة في المساجد وتعزيز الروابط بينهم.
ويوضح أن الحياة اليومية في طرابلس تتغير مع حلول الشهر، حيث تتكيّف مواعيد العمل والدراسة احترامًا لأوقاته، وتُبرمج الحياة كلها على وقعه، في مشهد يعكس عمق حضور الشهر الكريم في تفاصيل المجتمع.
** التكافل "روح" طرابلس
هذا العام أيضا، يأتي رمضان وسط أزمة اقتصادية غير مسبوقة يشهدها لبنان منذ العام 2019، حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من 90 بالمئة من قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل كبير.
وتصنَّف طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان، بين أفقر مدن البحر المتوسط، إذ يعيش جزء كبير من سكانها تحت خط الفقر، ما ينعكس مباشرةً على إمكانية تأمين الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والكهرباء والطبابة والتعليم.
المفتي إمام يشير إلى أن رمضان يأتي وسط "ظروف صعبة تمر بها المدينة، لا سيما الأزمات الاقتصادية والانهيارات التي طالت مباني سكنية مؤخرًا، ما أدى إلى مآسٍ إنسانية متكررة".
ويلفت إلى أن هذه التحديات تزيد من أهمية قيم التضامن والتكافل، معتبرًا أن رمضان يشكّل "فرصة لإحياء روح التعاون والعطاء" بين أبناء المجتمع.
ويؤكد إمام أن شهر رمضان يعزز روح التعاون والمحبة بين أبناء طرابلس، حيث يتكاتف الأهالي ويتبادلون الدعم والعطاء، في صورة تعكس الطبيعة الكريمة لأبناء المدينة.
وفي طرابلس، يتحول رمضان إلى تجربة جامعة بين التراث القديم (المملوكي والعثماني بشكل أساسي) والعناصر الحديثة، في أجواء من الفرح والتآخي والروحانية رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
** تراث أصيل
تحتفظ المدينة بجوهرها التاريخي في الأزقة القديمة والمساجد والطقوس الروحانية، لكنها تضيف لمسات حديثة تجعل التجربة ممتعة للأجيال الجديدة والزوار.
وبالنسبة للتراث، فهو موجود بالعمارة والمساجد، مثل الجامع المنصوري الكبير الذي بني بالعام 1294، أصله مملوكي إلا أنه يحمل طابعا عثمانيا بارزا، ومسجد طينال الذي بني بالعام 1336 بأمر من الأمير سيف الدين طينال، نائب السلطنة المملوكية في طرابلس.
في رمضان، تصبح هذه المساجد مراكز للتراويح وحلقات التجويد والموالد وختم القرآن، مع أجواء روحانية تعود إلى العصر المملوكي حيث كانت طرابلس عاصمة إقليمية مزدهرة دينيا وعلميا.
أبرز ما يميز الجامع المنصوري في رمضان على سبيل المثال، هو عرض "الأثر الشريف"، وهو شعرة من لحية النبي محمد صلى الله عليه وسلم محفوظة في علبة ذهبية، كانت هدية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني للمدينة بالعام 1890.
ويُعرض الأثر الشريف في الجمعة الأخيرة من رمضان، فيجذب آلاف الزوار، خاصة في الجمعة الأخيرة من رمضان، في احتفال عثماني الطابع، ويبقى المسجد مفتوحا طوال الشهر للتراويح والاعتكاف والدروس الدينية.
كما تحافظ الأماكن التاريخية في المدينة على تراث "مدفع الإفطار" العثماني، بإطلاق طلقة عند المغرب للإفطار وأخرى عند الفجر للإمساك.
كما لا يغيب "المسحراتي" عن المدينة، يجوب الأزقة القديمة بالطبول والأناشيد لإيقاظ الناس للسحور، كما تخرج "الفرق الصوفية" قبل رؤية الهلال مرددة المدائح النبوية.
وتتميز المدينة بـ "فرق الوداع"، وهي فرق موسيقية وأناشيد تجوب الأحياء في العشر الأواخر من الشهر، لوداع رمضان بأغانٍ تراثية تعود لقرون عدة، مع إيقاعات وألحان موروثة.
** حداثة رمضانية
حرفيا، مدينة طرابلس لا تهدأ طوال ليالي رمضان، ويغلب عليها ألفة عائلية وتبادل زيارات وروحانيات عالية، وغالباً تُقام فعاليات خيرية ومبادرات للفقراء، كما تبقى الأسواق مفتوحة لتعجّ بالناس من وقت الإفطار إلى موعد السحور.
منذ نحو 15 عاما، بدأ إطلاق المناطيد المضيئة كتقليد حديث في المدينة، يجمع الأطفال والعائلات للمشاركة في الفعالية مع التكبيرات والأناشيد، ما يضفي لمسة احتفالية معاصرة وجذابة بصريا.
والاثنين، شارك عدد من أبناء طرابلس وشمال لبنان في فعاليات استقبال الشهر، تضمنت إطلاق مناطيد مضيئة، ضمن أجواء احتفالية في معرض رشيد كرامي الدولي.
وقالت المشاركة جنى سويد، إنها جاءت إلى طرابلس للمشاركة في الفعالية، مؤكدة أن "إطلاق المناطيد أصبح من العادات والتقاليد التي يحرص أهالي المدينة على إحيائها سنويًا مع بدء رمضان".
وأضافت للأناضول أن المشاركين يطلقون المناطيد في ساعات المساء ويتمنّون أمنيات طيبة، معربة عن أملها بأن يكون الشهر الكريم مليئًا بالخير وأن تتحسن الأوضاع في البلاد.
ولا تغيب عن شوارع المدينة، الزينة الكثيفة والمبهرة، من فوانيس حديثة، وأضواء، وشلالات كهربائية، وأهلّة مضيئة تغطي الشوارع والأسواق القديمة، وتجعل المكان مقصدا سياحيا رمضانيا من لبنان والخارج.
وتقام في المدينة مهرجانات وفعاليات خاصة بالشهر الفضيل، مثل "ليالي رمضان"، وبازارات، ومعارض، وفعاليات خيرية، وموائد إفطار جماعية كبيرة، ومبادرات خيرية للفقراء، وأسواق شعبية رخيصة نسبيا.
وعن ذلك، أعربت اللبنانية صبحية صبّاغ، عن تمنياتها بأن يحمل رمضان الخير للبنان، وأن تتحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وأشارت في حديثها إلى أن "طرابلس تتميز بعادات رمضانية جميلة، من الأسواق الشعبية الداخلية إلى الأجواء التراثية التي تشهدها ضمن فعاليات معرض رشيد كرامي".
وشددت صبّاغ على أن المدينة اعتادت على إحياء مثل هذه الأنشطة التي تضفي أجواء احتفالية مميزة.
ويواجه لبنان منذ 2019 أزمة اقتصادية أدت إلى تخلفه عن سداد حوالي 30 مليار دولار من السندات الدولية في 2020، ما أطلق مرحلة سقوط حر في العملة، لتخسر معظم قيمتها، وهو ما انعكس تراجعا هائلا بقيمة رواتب موظفي القطاع العام.
ويتطلع لبنان لإعادة هيكلة قطاعه المصرفي بهدف استعادة الثقة بالبنوك والاقتصاد ككل، كما يسعى لتطبيق إصلاحات اقتصادية شاملة.
