Rabat
الرباط / الأناضول
** زينب المزابري المتخصصة في جراحة وأمراض النساء والتوليد، للأناضول:- المنظومة الطبية في غزة مدمرة، والكوادر لم تعد قادرة على توفير لقمة العيش
-لكل فلسطيني قصة معاناة خاصة، وعلى كل إنسان أن يفكر من موقعه ماذا يستطيع أن يقدم لفلسطين
وصفت الطبيبة المغربية زينب المزابري، المتخصصة في جراحة وأمراض النساء، الوضع الصحي في غزة بأنه "ضربة قاسية للأمل"، مشيرة إلى أن المنظومة الطبية مدمرة والأجهزة شبه معدومة، ما يصعب عمل الأطباء المحليين والوافدين.
وأضافت أن الكوادر الطبية الفلسطينية لم تعد قادرة على توفير لقمة العيش، وأن مجرد وجود طبيب من الخارج يمنحهم شعورا بالأمل.
وأكدت المزابري التي زارت غزة بوصفها أول طبيبة مغربية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن فلسطين قضية مستمرة غير مرتبطة بزمن، مشيرة إلى أن المغارية يعملون دائما على خدمتها ومساندة أهلها.
وقالت في مقابلة مع الأناضول: "دخلت قطاع غزة عبر معبر رفح، ووجدتها مدينة مدمرة بالكامل، لا تكاد تجد مبنى قائما وكل شيء قد سوي بالأرض".
وبدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي في قطاع غزة، وقتلت على مدى عامين أكثر من 71 ألف فلسطيني، وأصابت ما يزيد على 171 ألفا آخرين.
كما تسببت في دمار طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية بما فيها المراكز الصحية، مع تكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
وعن معايشتها للواقع داخل القطاع، قالت المزابري إنها وجدت الفلسطينيين في غزة يعيشون في أماكن لا يمكن وصفها بالمباني الحقيقية، بل هي بقايا جدران لا تقي حرا ولا بردا.
وأشارت إلى معاناة الأطفال، بقولها: "يعيشون داخل مبانٍ متهالكة قد تسقط مع أول غارة جوية، وآخرون يسكنون خياما بالية لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء".
وتابعت:" أطفال يمشون حفاة على الأرض، بملابس رثة وأجساد هزيلة، في مشهد يبعث على الإحساس بالعجز والقهر، حيث ترى في عيونهم محاولات للصمود والقوة".
** القطاع الصحي
وأوضحت المزابري إلى أن المنظومة الطبية بغزة مدمرة من أساسها، وأن نحو 94 بالمئة من المستشفيات قد دمرت كليا أو جزئيا، بما فيها مستشفى الشفاء الأكبر بالقطاع.
وقالت إن "هذا لم يكن ضربا للقطاع الصحي فحسب، بل كان ضربة قاسية للأمل ذاته، إذ كان هذا المستشفى هو الأمل الوحيد لكثير من الناس من أجل العلاج".
وأشارت إلى "تدمير الأجهزة الطبية بشكل شبه كامل، وهو ما يصعب من مأمورية الأطباء، سواء الفلسطينيين أو الوفود الطبية التي تصل القطاع".
وأكدت المزابري أنهم يعجزون عن التشخيص أو إجراء التدخلات الطبية لغياب الأجهزة الأساسية.
وذكرت أن 7 أجهزة رنين مغناطيسي دمرت بالكامل، فيما لم يتبق سوى 7 أجهزة تصوير مقطعي (السكانير) من أصل 30 جهازا.
وأفادت بأن الأدوية شحيحة أو غير موجودة، وأن الكوادر الطبية الفلسطينية تعاني من تعب شديد وإنهاك كبير، ويعيش كثير منهم مع أسرهم في خيام ويعملون على مدار 24 ساعة يوميا لفترات طويلة.
وأكملت: "حتى أجور الطواقم الطبية لم تعد متوفرة بشكل منتظم، إن وجدت أصلا، وكل المنظومة الاقتصادية منهارة بالكامل. ولم يعد الطبيب أو الممرض قادرا على توفير لقمة العيش لأبنائه أو لأفراد أسرته".
وخلال عامي الإبادة، تعمد الجيش الإسرائيلي استهداف المنظومة الصحية في القطاع بقصف المستشفيات والمرافق الطبية ومخازن الأدوية، والطواقم العاملة في هذا المجال واعتقال عدد منها، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.
** نقص الكوادر الطبية
وأوضحت الطبيبة المغربية أن هناك نقصا كبيرا في الموارد البشرية، والتجهيزات الطبية في قطاع غزة، مؤكدة أنها كانت تضطر أحيانا لإجراء بعض العمليات الجراحية بوسائل بسيطة جدا.
وأضافت أن معظم الحالات التي تصل إلى المستشفيات تكون معقدة وتحمل مضاعفات ناتجة مباشرة عن الحرب، مشيرة إلى أن سوء التغذية أثر بشكل كبير على النساء الحوامل، ما أدى إلى ضعف الأجنة بشكل ملحوظ.
وأوضحت أن النساء في مراحل الحمل المبكرة يعانين من التهابات وتعفنات ومضاعفات أخرى نتيجة غياب الأدوية والمياه اللازمة للنظافة والتعقيم.
ولفتت إلى أن الحالة النفسية للنساء كان لها أثر بالغ على الحمل، مؤكدة أن "كل امرأة حامل كانت تصل إلينا، تكون قد فقدت زوجها أو أحد أبنائها أو والدها أو إخوتها، فجميعهن مررن بالتجربة نفسها التي مر بها عموم سكان القطاع".
** قصة خاصة
وترى الطبيبة المغربية أن لكل فلسطيني قصة معاناة خاصة.
وقالت: "منهم من أُخرج من تحت الأنقاض، ومنهم من فقد عائلته بالكامل، ومنهم من بقي نازحا وحيدا، ومنهم من فقد والديه، ولا تكاد تجد شخصًا واحدا، سواء من الكوادر الطبية أو من المرضى، أو باقي الفلسطينيين، إلا وله قصة مؤلمة مر بها".
وأضافت: "لم أجد أحدا لم يعش تجربة خاصة وقاسية؛ الجميع مر بالأزمة نفسها، والجميع يحكي القصة ذاتها بأشكال مختلفة".
ودعت المزابري كل طبيب وإنسان للتفكير بما يمكن تقديمه للفلسطينيين، مشيرة إلى أنهم في حاجة ماسة لكل شيء، وأول ذلك الأمل.
وأضافت أن آلاف الجرحى بحاجة للعلاج في الخارج، لكن إجراءات الإجلاء صعبة جدا، وبعضهم قد يفارق الحياة.
كما دعت للضغط بكل وسيلة ممكنة لإدخال المواد الطبية والمعدات اللازمة، "فهناك آلاف المرضى في أمس الحاجة للمساعدة".
وقالت الطبيبة المغربية إن من دوافع زيارتها غزة كان إبراء الذمة أمام الله، مؤكدة أنها حاولت تقديم ما تستطيع.
وأضافت: "حين ذهبت، وجدت نفسي محملة بجراح أكبر مما كنت أحمله على ظهري، فمن رأى ليس كمن سمع، وتنتابك هناك مشاعر عميقة، كأنك تترك أهلك تحت الموت وترحل، وكأنك غدرت بهم".
وشددت الطبيبة المغربية على أن "الفلسطينيين في حاجة إلينا حقا".
وقالت: "رغم لحظات القصف المباشر، لم أشعر بالخوف داخل القطاع. وعلى العكس، كنت أؤمن أنني لو كُتبت لي الشهادة على تلك الأرض المباركة لكنت من الفائزات".
وبينت: "لم يكن الخوف على نفسي، بل كان خوفي الحقيقي على أهل القطاع أن يكون هناك أشخاص تحت القصف، أو جرحى يصعب إجلاؤهم أو الوصول إليهم".
ويتخوف آلاف الفلسطينيين على حياة ذويهم من المرضى والجرحى، جراء تعذر سفرهم للخارج لتلقي العلاج وسط الأوضاع الصعبة التي تعانيها المنظومة الصحية بغزة.
ومع سريان اتفاق وقف النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حاولت وزارة الصحة بغزة إعادة الحياة لجزء من منظومتها عبر ترميم بعض المباني في عدد من المستشفيات، لكن حجم الأضرار حال دون عودة العمل فيها بصورة طبيعية.
يترافق ذلك مع النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية جراء القيود الإسرائيلية المشددة والمتواصلة على المعابر.
