مقابر الإنجليز في "أرض الصومال".. شمس الاستعمار لم تغرب
تقع "مقبرة الإنجليز"، شمال مدينة هرجيسا، عاصمة ما يسمى بجمهورية "أرض الصومال"، وتحديداً بمنطقة هادئة لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير، وحفيف الأشجار
19 مايو 2017•تحديث: 19 مايو 2017
Mogadişu
مقديشو/نور جيدي/الأناضول
رحل الاستعمار الإنجليزي عن الصومال ستينيات القرن الماضي، لكن "رفات" عشرات من جنوده بقيت شاهدة على تلك الحقبة الزمنية.
وتقع "مقبرة الإنجليز"، شمال مدينة هرجيسا، عاصمة ما يسمى بجمهورية "أرض الصومال"، وتحديداً بمنطقة هادئة لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير، وحفيف الأشجار.
ويعود تاريخ المقبرة في أرض الصومال "صومالي لاندا"، إلى زمن الحربين العالمية الأولى (1914 -1918) والثانية (1939 -1945).
وتضم المقبرة، التي أعيد إنشاءها العام 2006 من قبل السفارة البريطانية في إثيوبيا، رفاة 138 من الجنود البريطانيين بجانب جنسيات مختلفة كانوا متحالفين معهم.
وتوجد عدة أقاليم في الصومال تتمتع بحكم ذاتي، وتسعى لإنشاء دول منفصلة عن الصومال أبرزها "صومالي لاند" (شمال)، لكنها لا تحظى باعتراف دولي، وذلك منذ دخول البلاد في حرب أهلية في بداية تسعينات القرن الماضي، عقب سقوط نظام الرئيس سياد بري.
ويقول محمد حسن، مؤرخ صومالي، للأناضول، إن منطقة القرن الإفريقي سجلت في بداية القرن التاسع عشر توغلاً بريطانياً استولى على سواحل الصومال، وتحولت إلى محمية تابعة لبريطانيا، التي كانت أنذاك مملكة لاتغيب عنها الشمس، فيما كان يقع الجزء الجنوبي في الصومال تحت الاستعمار الإيطالي.
وأضاف المؤرخ أن البريطانيين أبرموا معاهدات مع أعيان المنطقة، لحكم تلك الأراضي، نصت بعض بنودها بألا يقيم البريطانيون في البلاد، حرصاً على التركيبة السكانية، مكتفين بالتواجد العسكري.
وذهب أحد البنود إلى اشتراط ألا يولد أطفال الإنجليز على تراب "صومالي لاند"، حيث كان يتم نقل النساء الحوامل البريطانيات إلى نيروبي أو لندن.
** من داخل المقبرة
عند مدخل المقبرة يجد الزائر "نصب تذكاري" طويل رمم جدرانه ببلاط صخري يرتفع حوالي 6 أمتار ويتوسط فيه صليب كبير، كتب عليه عبارات تخليد لذكرى الجنود.
وتنقسم المقبرة إلى قسمين، يضم قسم الأول رفاة الجنود، الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، بينما تضم جذارية أخرى رفاة القتلى من الحرب العالمية الثانية.
وتختلف الرؤى بين السكان، بالنسبة لهذه المقبرة، فالبعض يرى أنها "مجرد تاريخ" مر ببلادهم، بينما يرى آخرون أنها تعكس "جشع وطمع" الاستعمار الأوروبي على الدول الأفريقية.
ويقول محمد حاشي، عمدة مدينة هرجيسا الأسبق، للأناضول، إن المقبرة كادت أن تزول على مر سنين بسبب الإهمال، لكن حالياً تحظى باهتمام من السفارة البريطانية في إيثيوبيا، حيث أعيد ترميمها، وصارت مكانا يجذب المؤرخين.
وأضاف حاشي أن المقبرة لاتعد فقط شاهداً على تاريخ أو تخليدا لذكرى الجنود، بل أيضا باتت تخليداً لأرواح جنود صوماليين حاربوا جنباً، إلى جنب، مع القوات البريطانية، وهذا ما يؤكد على تاريخ المنطقة وما شهدته من أحداث.
مئات من الشواهد في صفوف طويلة بشكل يسمح للزوار التنقل والوقوف على تفاصيلها الدقيقة.
ويحمل كل قبر، وبشكل هندسي، معلومات عن صاحب القبر، تشمل تفاصيل وشعار الدولة، التي يحمل جنسيتها واسمها وعمره وتاريخ مقتله إلى جانب رتبته العسكرية.
ويفصل بين المقبرتين جذارية عريضة زينت ببلاط أبيض كتب عليها أسماء وجميع المعلومات حول رفاة الجنود،
هذا بالإضافة إلى أسماء بعض الجنود المفقودين، والذين دفنوا بأماكن أخرى، لكن تم تدوين أسماءهم بالمقبرة تكريماً لهم.
وبحسب إدارة المقبرة، التي تقدر مساحتها بنحو مئة متر تقريباً، فإنها تحتوي على رفاة نحو 138 جنديا، أغلبهم بريطانيون إلى جانب أجناس مختلفة معظمهم من دول شرق إفريقيا بما فيها الصومال وكينيا.
حسن عمر (55 عاماً) يعمل حارساً في المقبرة، منذ سنوات، يقول، للأناضول، إنها باتت حديثة بعد ترميمها، قبل نحو عشر سنوات، لكنها تنبش ذكريات موغلة في التاريخ، فقد صمدت في وجه الظروف المناخية لقرن من الزمان.
وأضاف أن موقع المقبرة كان يتبع القنصلة البريطانية في أرض الصومال، وتشرف السفارة الإنجليزية في إيثوبيا حاليا على إدارة المقبرة، فتكفلت بسداد مصاريف الحراسة مقابل اعتنائهم بالمقبرة.
وحول الزوار الذين يقصدونها، يقول إنها تحظى بزوار بينهم طلاب ومؤرخون، إلى جانب أفراد عاديين سعياً للكشف عن مزيد من المعلومات حول التاريخ.
وأشار إلى أن العديد من الأجانب يأتون إليها سنوياً، بينهم دبلوماسيون بريطانيون، للاطلاع على المقبرة، إلى جانب صوماليين يحرصون على زيارتها والدعاء لأقاربهم الجنود ممن دفنوا بالمكان.
رحل البريطانيون من كامل تراب الصومال، منذ ستينيات القرن الماضي، لكن إرث الاستعمار لايزال عالقاً في أذهان السكان.
فالمقبرة الإنجليزية تعتبر بالنسبة للكثير من أهالي السكان "قطعة أوربية" في بلادهم، م ايوحي بأن شمس المستعمرة البريطانية في القرن الإفريقي، وتحديداً "صومالي لاند" لم تغقب بعد.
مقابر الإنجليز في "أرض الصومال".. شمس الاستعمار لم تغرب