أوروبا.. رجل العالم المريض والهرم (مقال تحليلي)
بقلم سردار قره غوز، رئيس مجلس إدارة وكالة الأناضول، مديرها العام
Istanbul
أنقرة / الأناضول
استعرض رئيس مجلس إدارة وكالة الأناضول، مديرها العام سردار قره غوز، كيفية تحوّل أوروبا إلى ما يُشبه "الرجل المريض" الجديد، جراء مشكلات هيكلية ونقاط ضعف استراتيجية، في مقالٍ بقسم تحليلات الأناضول.
***
استُخدم مصطلح "الرجل المريض" أول مرة في القرن التاسع عشر من جانب القيصر الروسي نيكولاي الأول لوصف الإمبراطورية العثمانية. ومع مرور الوقت، تطور هذا المصطلح من مجرد تشبيه تاريخي إلى فئة تحليلية راسخة لوصف الدول التي تعاني تفككا اقتصاديا ومؤسسيا وسياسيا.
وعلى مدى القرن العشرين، استُخدم هذا المصطلح لوصف دول عدة مثل بريطانيا واليابان وجمهورية فايمار الألمانية واليونان. وفي 2005، وصفت مجلة الإيكونوميست إيطاليا بأنها "الرجل المريض" الحقيقي في أوروبا، بينما قيّمت صحيفة ديلي تلغراف وقناة "سي إن بي سي" والصحافة الأمريكية في سنوات مختلفة، دولاً مثل البرتغال وإسبانيا وفرنسا وفنلندا واليونان ضمن الإطار نفسه.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذرياً. إذ لم يعد "الرجل المريض" توصيفاً ينطبق على دول بمفردها، بل تحوّل إلى مصطلح يصف قارة بأسرها. فقد كان يُنظر إلى أوروبا لمدة طويلة على أنها "الحضارة المؤسسية" للعالم، بما تمتلكه من سيادة قانون ودولة رفاه وقدرات هندسية عالية ومؤسسات مستقرة، ما جعلها أحد أكثر مراكز القوى نفوذاً.
غير أن أوروبا اليوم تفقد بسرعة قدرتها على أداء دور صانع القواعد في معايير التنافس العالمي الجديدة. فمشكلة القارة الأساسية لم تعد مجرد تباطؤ اقتصادي، بل تراجع استراتيجي شامل.
ويقف وراء هذا التراجع عاملان أساسيان هما شيخوخة السكان والإفراط في التنظيم. فهذان العاملان معاً يحوّلان أوروبا إلى قارة بطيئة في اتخاذ القرار ويضفي عليها سلوكيات متحفظة تجاه المخاطر ومحدودية القدرة على التحرك. ولم يعد هذا مجرد انطباع، بل حقيقة يمكن رصدها بوضوح من خلال البيانات.
- الهشاشة الديموغرافية: أوروبا المسنة
وبحسب معطيات معهد الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، يبلغ متوسط العمر في دول الاتحاد 44.7 عاما بحسب إحصائية أجريت في 2024. أي أن نصف سكان أوروبا تزيد أعمارهم عن 44.7 عاما. ففي إيطاليا، يبلغ هذا الرقم 48.7 عاما. ولم تعد أوروبا مجرد قارة "مسنة"، بل أصبحت قارة مسنة هيكلياً.
ويؤدي انخفاض عدد السكان في سن العمل إلى تضييق سوق العمل وتقليص القاعدة الضريبية، في حين يتزايد الإنفاق الاجتماعي بوتيرة متسارعة.
وفي حين أن نموذج دولة الرفاه الأوروبي بُني على ديناميكية السكان الشباب والمنتجين. إلا أن هذا النموذج نفسه بات اليوم غير قابل للاستمرار بشكل متزايد وسط ضغوط التكاليف الناجمة عن شيخوخة السكان.
- الصحة ودولة الرفاه: صدمة تكاليف تلوح في الأفق
ومع ازدياد نسبة الشيخوخة داخل المجتمع الأوروبي، تُعدّ خدمات الصحة والرعاية طويلة الأجل من المجالات التي تشهد ارتفاعاً حاداً في الإنفاق العام. فزيادة الأمراض المزمنة والحاجة إلى الرعاية، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، كل ذلك يُؤدي إلى انخفاض عدد السكان المنتجين وتضاؤل فرص النمو الاقتصادي.
هذا الوضع، سيُحدث صدمة مالية خطيرة في أنظمة الرعاية الصحية الأوروبية، وهو ما يُلقي بعبءٍ أكبر على الميزانيات العامة، ولا سيما أن الرعاية الصحية تعد إحدى أهمّ الركائز التي تدعم نموذج الرفاهية الأوروبي، فضلاً عن كونها خدمة عامة. وقد يُؤدّي انهيار هذه الركيزة تحت وطأة ضغوط التكاليف إلى تأجيج الشعبوية السياسية والتوترات الاجتماعية والمشاعر المعادية للهجرة.
- مرآة أوروبا الخاصة: تقرير دراغي
ومن أبرز الأمثلة على هذه التقييمات، تقرير استراتيجية التنافسية الأوروبية الذي أعده رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي في سبتمبر/ أيلول 2024. ويُعدّ دراغي الذي أدار أزمة منطقة اليورو المالية، من أكثر الشخصيات إلماما بالبنية المؤسسية للقارة وحدودها. لذا، لا يُمثّل التقرير نقدا خارجيا بقدر ما هو مرآة تعكس صورة أوروبا الذاتية.
وتتلخص أطروحة دراغي الرئيسية في أن المشكلات التي تواجه أوروبا لم تعد أزمات مؤقتة، بل خسارة تنافسية متراكمة وبنيوية. ووفقا للتقرير، فإن الأسباب الرئيسية لهذه الخسارة هي: اتساع الفجوة في الإنتاجية والتكنولوجيا مع الولايات المتحدة، وضياع فرصة الثورة الرقمية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتزايد المنافسة مع الصين، وعدم كفاية الاستثمار في قطاع الدفاع.
ويشير التقرير إلى أن إجمالي الإيرادات السنوية للاتحاد الأوروبي يقلّ بنحو 40 بالمئة عن نظيره في الولايات المتحدة. ولا تتجاوز استثمارات القطاع الخاص في البحث والتطوير نصف مثيلتها في الولايات المتحدة.
ومن أبرز المؤشرات الصادمة، أن أوروبا لم تُنتج خلال الخمسين عاماً الماضية أي شركة جديدة تتجاوز قيمتها السوقية 100 مليار يورو. كما أن وجود 4 شركات أوروبية فقط ضمن أكبر 50 شركة تكنولوجية في العالم، يوضح بشكل ملموس كيف أضاعت القارة قطار الثورة الرقمية.
- الإفراط في التنظيم: شلل الحضارة المؤسسية
وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية الأخرى التي تواجه أوروبا، في أن ثقافتها التنظيمية وصلت إلى مستوى يُعرقل الابتكار. إذ تُركز أوروبا على "إدارة التكنولوجيا" بدل "إنتاجها". ومع أن هذا النهج قد يبدو مفيداً على المدى القصير فيما يتعلق بالأمن والنقاشات الأخلاقية، إلا أنه يُضعف قدرتها التنافسية على المدى الطويل.
ويبرز هذا الأمر بوضوح في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ أقرّ الاتحاد الأوروبي "قانون الذكاء الاصطناعي" (AI Act)، وهو الأكثر شمولاً في العالم، واعتمد نهجاً "قائماً على المخاطر". غير أن هذا النهج أدى عملياً إلى تقييد التطور التكنولوجي بفعل هاجس التنظيم.
وباتت أوروبا اليوم لا تُنظّم لأنها لا تنتج التكنولوجيا، ولا تستطيع إنتاج التكنولوجيا لأن لديها قوانين تنظيمية. وهذا يخلق رد فعل مؤسسيا يُؤخّر الابتكار ويزيد تكلفته. ويبدو أن أوروبا عالقة في مسار يُعطي الأولوية للتنظيم على حساب التقدم، رغم إدراكها أن ذلك سيُضعف قدرتها التنافسية على المدى الطويل.
- الرقائق الإلكترونية والقدرة الإنتاجية: نقطة ضعف أوروبا
يُعدّ قطاع أشباه الموصلات أبرز مثال على التراجع التكنولوجي في أوروبا. فبحسب بيانات نشرتها مجلة "EE Times"، انخفضت حصة أوروبا من إنتاج الرقائق الإلكترونية عالميا من 44 بالمئة عام 1990 إلى حوالي 9 بالمئة حاليا. ويُشير هذا التراجع إلى أن أوروبا، رغم احتفاظها بقدرتها على إنتاج المعرفة، فقدت حجم إنتاجها وقدراتها الصناعية.
ولمعالجة هذا التراجع، سنّ الاتحاد الأوروبي قانون الرقائق الأوروبية عام 2022، وأعلن هدف الوصول إلى 20 بالمئة من حصة السوق في إنتاج الرقائق العالمي بحلول 2030. إلا أن ديوان المحاسبة الأوروبي أشار إلى أن هذا الهدف غير واقعي، مؤكدا أن تحقيقه يتطلب مضاعفة الإنتاج خلال مدة قصيرة.
وعلى أرض الواقع، تواجه المشاريع الكبرى عراقيل جدية، كما هو الحال في تأخر استثمارات شركة "إنتل" في ألمانيا، أو مشاريع "وولفسبيد" في سارلاند، ومشاريع التوسعة المشتركة لـ"إس تي مايكروإلكترونيكس" و"غلوبال فاوندريز" في فرنسا، واستثمارات "إنفينيون" في ألمانيا والنمسا، والتي تعاني ارتفاع التكاليف وطول إجراءات الموافقة.
ويعتمد معظم هذه المشاريع على دعم حكومي مكثف أكثر من اعتماده على ديناميكيات السوق، ما يشكّل نقطة ضعف استراتيجية، خاصة أن الرقائق تمثل أساس السيادة في مجالات تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى الدفاع.
ـ الدفاع: كلفة المظلة الأمنية
وعلى غرار ما سبق، يعاني قطاع الدفاع الأوروبي هشاشة هيكلية. فقد أدى خضوعه للحماية الأمنية الأمريكية لسنوات طويلة إلى إضعاف قدرته على الابتكار والإنتاج في مجال الدفاع. واليوم، وفي عصر عسكري جديد تُغير فيه الطائرات المسيّرة طبيعة الحروب جذرياً، وتلعب فيه شبكات الاستشعار وأنظمة القيادة والتحكم المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمنصات ذاتية التشغيل دوراً حاسماً، تُكافح أوروبا لتحقيق قفزة نوعية في قدرتها التنافسية.
ورغم تخصيص الاتحاد الأوروبي ميزانيات كبيرة للدفاع، فإن تشتّت الرؤية بين 27 أولوية وطنية، وضعف آليات الشراء المشترك، وغياب المعايير الموحدة، وطول إجراءات المناقصات، تحول دون خفض التكاليف عبر الإنتاج على نطاق واسع.
ومن الجدير بالذكر أن أوروبا، على الرغم من قدراتها الهندسية العالية، تتخلف عن الركب من حيث سرعة الاستجابة الاستراتيجية وحجم الإنتاج. وقد أضفى نهج تركيا السريع في مجال الطائرات المسيرة وأنظمتها في السنوات الأخيرة حيويةً لم تشهدها معظم دول أوروبا. وفي المقابل، لا تزال أوروبا عالقة في نظام إمداد يعتمد بشكل كبير على التوريد الخارجي في قطاع الدفاع.
- الخلاصة:
اكتسبت أوروبا قوتها عبر مؤسساتها لسنوات، لكن هذه المؤسسات نفسها باتت اليوم تعرقل حراكها الاقتصادي. فشيخوخة السكان تُقلل من ديناميكيتها الاقتصادية، بينما يُبطئ الإفراط في التنظيم وتيرة الابتكار في القارة.
ولم يعد التراجع في مجالات عدة كالرقائق الإلكترونية والدفاع والذكاء الاصطناعي وأنظمة الرعاية الصحية، مجرد واقع ملموس، بل أصبح واقعا ملموسا وقابلا للقياس.
وتحاول النخب الأوروبية عكس هذا المسار، إلا أن أوروبا، كما في مفهوم "الماء الذي يغلي ببطء"، لم تدرك حجم التحول إلا متأخرة. ولذلك، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لأن تكون مرحلة اختبارات قاسية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً. وقد تكون نافذة الوقت المتاحة لأوروبا أضيق مما يُعتقد.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
