نور أبو عيشة
غزة - الأناضول
"أبعدوني عن كل شيء، نفوني عن أهلي، وعائلتي، عن مدينتي الجميلة، بيت لحم وأرضها وهوائها، أبعدوني عن والدتي وهي حيّة، وحرموني من زيارة قبرها بعد وفاتها".
بهذه الكلمات وصف الأسير المحرر "المبعد" إلى قطاع غزة، ضرار الحروف (36) سنة، حياته التي "أقرّها" له الجيش الإسرائيلي، ومع ذلك حكم عليه أن يكملها في غزة، حيث الذكريات المؤلمة.
فجزءٌ كبير من حياته تسيطر عليها ذكريات الحنين إلى الأهل والأحباب، ذكريات السجن وعذاباته، وأما الجزء الآخر فهو لأمه التي رحلت عن هذه الدنيا دون أن يُلقى نظرةً عليها، أو يرتمي في "حضنها" كما كانت تتمنى.
وصف الحروف آخر محادثةٍ بينه وبين أمه أثناء فترة أسره، قائلاً باللهجة العامية الفلسطينية:" آلو.. آه يما (يا أمي)، الحمد لله يما، أنا مشتاق لك كتير، بتعرفي يما إيش نفسي، نفسي يما أحضنك بس، وتصلّي علي"، وأكمل: "وبعد ثلاثة أيام من هذه المحادثة فارقت روح أمي جسدها، وصعدت إلى بارئها".
بصوتٍ متحشرج قال: "أمي كانت ممنوعة أمنياً من زيارتي، توفت بعد أربع سنوات من أسري، ولم أرها أبداً في تلك الفترة، كنت أتحدث معها عن طريق الجوالات (المهربة) في الحبس".
وأوضح الحروف أنه أُسر على خلفية نشاطاته الوطنية، فقد كان مطارداً منذ سنة 1998، فكانت بداية أسره مع بداية الانتفاضة الثانية وعمره (26) سنة، وخرج ضمن صفقة تبادل الأسرى التي أبرمتها حركة حماس مع إسرائيل في أكتوبر 2011.
ونصت الصفقة على إطلاق حركة حماس الأسير الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، مع 1027 أسيراً فلسطينياً.
وأوضح الحروف أنه بعد عشرة أعوام من الأسر تحرر ليجد نفسه في منفى اجتماعي مؤلم، بعيداً عن الأهل، عن الوجوه التي اعتاد أن يبدأ صباحه بها، عن الدعاء الصادق المنبعث من قلوب "العجائز" في بيت لحم.
وتفاجأ الحروف من الظروف المعيشية في القطاع، ومن نسبة الفقر التي وصلت إلى 63% واصفاً إياه بــ"المدقع"، بالإضافة إلى انعدام فرص العمل وارتفاع نسبة البطالة في غزة إلى 80%، لتصبح أعلى نسبة بطالة في العالم.
وعن مفارقات الحياة ما بين الضفة الغربية وغزة، أعطى الحروف مثالاً على الفارق قائلاً: في الضفة نشترى الأراضي بالدونم (الدونم ألف متر مربع)، لكن الصادم أنه في غزة يتم شراؤها بــ(المتر)".
ومن جانبٍ آخر، قال الأسير المحرر عبادة بلال (32) عاماً من مدينة نابلس، والمبعد إلى قطاع غزة، إنه فقد نظره نتيجة إهمالٍ طبي متعمد من مصلحة السجون الإسرائيلية، بحيث عرض محاميه على المحكمة تقارير تؤكد على وجود "خلل" في شبكية عينيه، لكنهم لم يكترثوا وحرموه من الشمس، مما أضر بعينيه.
وأوضح أنه أسر فعلياً لمدة 10 سنوات، وخرج ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وخلال فترة الأسر في السجون الإسرائيلية مُنع أغلب أفراد عائلته من زيارته "أمنياً".
وأضاف: "تحت مسمى أمنياً، يتم اتباع أكثر الطرق اللاإنسانية في التعامل مع الأسرى".
وعن أصعب المواقف التي تعرض لها في فترة الأسر، قال بلال: "وفاة والدي، لم أعرف بوفاته إلا بعد 19 يومًا، عن طريق المحامي الخاص بي".
وذكر أن إبعاده إلى غزة وحرمانه من العودة إلى الضفة الغربية "آلم قلبه"، بحيث فرض عليه ظروفاً جديدة، سواء العيش بعيداً عن أهله الذين تفصلهم عنه مسافة "ساعة واحدة"، وبالرغم من ذلك، فإن أراد أحد أفراد أسرته زيارته فإنه يضطر للسفر إلى الأردن، ومن ثم مصر ليصل إلى قطاع غزة.
وأكد أن أكثر ما يعاني منه الأسرى المبعدون في غزة هو فراق الأهل وصعوبة التواصل معهم، مشدداً على أن الماديات آخر ما يتم الحديث عنه، معللاً ذلك – على صعيده الشخصي - بأنه خرج قبل انتهاء حكمه بــ(15) سنة، وهذا فضلٌ من الله عليه، فهو الآن قادر على الحديث وإبداء آرائه، من موافقة واعتراض.
ودعا بلال الهيئات المختصة باستغلال طاقاتهم في خدمة الوطن والشعب الفلسطيني، موضحاً أنهم – الأسرى - لديهم طاقة عالية يجب أن تستغل أفضل استغلال، حتى تكون ذات مردود ممتاز على القضية الفلسطينية.
ولا يقتصر وجود المبعدين من الضفة الغربية إلى غزة على الأسرى المحررين، فهناك عدد من الشبان يعرفون باسم "مبعدي كنيسة المهد"، وعددهم 26 شخصًا، والذين أبعدوا في عام 2002، خلال عملية "السور الواقي" التي شنها الجيش الإسرائيلي على الضفة الغربية واحتل مدنها، حيث اعتصم هؤلاء الشبان في كنيسة المهد في مدينة بيت لحم.
وقد حاصرت إسرائيل الكنيسة مدة 39 يومًا، وانتهى الحصار، باتفاق على إبعاد 26 شخصًا من المحاصرين إلى غزة، و13 إلى الدول الأوروبية.
ويقول أحد هؤلاء المبعدين، ويدعى مجدي دعنا (35) عاماً:" أُبعدت عن أهلي لمدة عشر سنوات، خلال هذه السنوات سمعنا بوعود كثيرة لإرجاعنا إلى بلداتنا الأصلية، لكنها حتى الآن بقيت مجرد وعود".
وذكر دعنا أن غزة مليئة بالناس والقلوب الرحيمة، لكن شعور الفراق شعورٌ "يمزّق" القلوب، خاصة لو تعرض الإنسان لفقد عزيزٍ عليه لم يره منذ مدة، كما فقد دعنا "عمّه" الذي كان دوماً يقول له: "الله يطول بعمري يا عمي، عشان بس أشوفك (حتى أراك)".
نا/حم