حازم بدر
القاهرة - الأناضول
بات القضاء في مصر لاعبًا رئيسيًّا في تحريك الأحداث السياسية بالبلاد لا سيما عقب ثورة 25 يناير بعد العديد من أحكامه الحاسمة والتي كان لها أثر كبير على المشهد السياسي.
غير أن هذا الدور وضعه في بؤرة الاهتمام والجدل معا، فلم يعد حظر التعليق على الأحكام القضائية قائمًا كما كان الحال قبل الثورة، بل وصل الأمر حد اتهام بعض تلك الأحكام بـ"المسيَّسة"، وهو ما ينفيه القضاة بشدة، معتبرين أنهم يحكمون "وفق قواعد قانونية مجردة".
وتشهد مصر أزمة سياسية ودستورية بعدما أصدرت المحكمة الدستورية العليا، الثلاثاء، حكمًا بوقف قرار الرئيس المصري محمد مرسي بعودة عمل البرلمان، وإلغاء قرار سابق أصدره المجلس العسكري بحل البرلمان قبل أيام من تولي مرسي للسلطة في 30 يونيو/حزيران.
ودعا مرسي إلى اجتماع للهيئات القضائية، بعد عودته من زيارة للسعودية بدأها الأربعاء، للتوصل إلى حل لهذا المأزق الدستوري.
وشنَّ نادي القضاة ورئيسه المستشار أحمد الزند هجومًا عنيفًا على مرسي وصل إلى التهديد بالإضراب عن العمل إذا لم يلغ الرئيس قرار عودة البرلمان استجابة لحكم الدستورية العليا.
غير أن مدى الاستجابة للتهديدات التي أطلقها الزند تكشف إلى حد كبير درجة الخلاف داخل المؤسسة القضائية نفسها، حيث رفض رئيس نادي قضاة محافظة الشرقية (شمال القاهرة) تهديدات الزند.
كما كشف موقف رئيس نادي قضاة محافظة المنوفية (شمال القاهرة) عن شكل آخر من أشكال الانقسام، حيث قال إن قرار رئيس مجلس الشعب بإحالة أزمة بطلان المجلس إلى محكمة النقض قد يكون السبيل لحل الأزمة، في حين رآه نادي القضاة "غير دستوري".
ويشكو ما يسمي بـ"تيار استقلال القضاء" من أن القضاء لايزال "غير مستقل ويخضع في كثير من الأحيان للسلطة التنفيذية"، ويعتبر أن حل المشكلة يكمن في صدور قانون السلطة القضائية الذي يضمن استقلاله، وعدم تغليب الاتجاهات الأيدولوجية.
غير أن عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، نفى قبل يومين عزم مجلس الشعب (الغرفة الأولى بالبرلمان) مناقشة قانون السلطة القضائية، في محاولة لطمأنة بعض الجهات القضائية التي ترفض مناقشة البرلمان الحالي للقانون في ظل اتهامه بـ"فقدان الشرعية" لوجود حكم سابق بحله.
العلاقة بين السلطتين القضائية والتنفيذية ظلت محور جدل حتى قبل الثورة لا سيما مع ميلاد "تيار استقلال القضاء" في مؤتمر العدالة الأول في أبريل/نيسان عام 1986.. حينها شخَّص المؤتمر أهم أمراض القضاء وهي تدخل السلطة التنفيذية في عمله غير أن توصياته لم تجد قبولاً لدى الرئيس السابق حسني مبارك"، بحسب الناشط الحقوقي جمال عيد.
ويضيف أن العلاقة بين الطرفين منذ ذلك التاريخ لم تشهد أي تغيّر يذكر حتى فاض الكيل بشيخ القضاة ومؤسس تيار الاستقلال المستشار يحيى الرفاعي، رئيس محكمة النقض الأسبق، الذي بعث برسالة شهيرة لمبارك يستقيل فيها من منصبه العام 2003.
وبحسب الناشط الحقوقي محمد راغب، فإن السلطة القضائية تشهد حاليًا حراكًا واسعًا يماثل ما تشهده بقية مؤسسات البلاد منذ الثورة "لا سيما في ظل بروز تيار الاستقلال والذي يضم حسام الغرياني رئيس مجلس القضاء الأعلى، وأحمد مكي النائب الأسبق لمحكمة النقض، وهشام البسطويسي المرشح السابق في انتخابات الرئاسة.
وأضاف: جميعهم ظلوا يناضلون في هذا الاتجاه حتى جاءت انتخابات نادي القضاة عام 2010 والتي كشفت عن ضعف شعبيتهم بين القضاة حيث خسر رموز التيار في انتخابات النادي أمام المستشار أحمد الزند، الذي لا يزال يشغل المنصب حتى الآن والمحسوب على نظام مبارك.
ومثل كافة فئات المجتمع أعادت ثورة 25 يناير الروح لتيار الاستقلال الذي شارك رموزه في الثورة، وسط معارضة المستشار الزند الذي أطلق حينها تصريحًا شهيرًا قال فيه: "لا أقبل أن تدخل أوشحة القضاء في معارك سياسية".
وعلى الرغم من حالة الزخم التي منحتها الثورة لتيار الاستقلال إلا أن قائمة أحمد الزند احتفظت بالأغلبية في انتخابات نادي القضاة التي أجريت في مارس/آذار العام الجاري، وهو ما أعطاه دفعة معنوية كبيرة في مواجهة المعارضين الذين يطالبون بمزيد من الاستقلال عن السلطة القضائية.
وعقب الانتخابات عبّر الزند عن زهوه بالنتيجة قائلا:"أنا النقيب الوحيد – إذا جاز التعبير- الذي احتفظ بمقعده بعد الثورة عبر الانتخابات"، رافضًا التشكيك في الأحكام القضائية تمامًا.
غير أن أحمد مكي، رئيس محكمة النقض الأسبق يطالب بمزيد من الجهد لضمان "خروج القضاء من هيمنة السلطة السياسية، حتى يكون أهلا لهذه الثقة ويحافظ على صورته لدى المصريين".
وشكك مكي في "استقلال القضاء"، وقال "جرى تزوير الانتخابات في عهد النظام السابق، في ظل إشرافه ومن ثم فهو ليس مستقلا في حين أن تلك ضرورة لا غنى عنها".
ولم يهدأ الصراع بين تيار الاستقلال والسلطة التنفيذية، وخرجت تصريحات تصف أحكامًا صدرت بعد الثورة مثل الأحكام في قضية مبارك، والحكم بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب "الغرفة الأولى للبرلمان" بأنها "أحكام مسيَّسة تم إملاؤها على القضاة من السلطة التنفيذية" أي المجلس العسكري الحاكم خلال الفترة الانتقالية.
أحدث المعارك الجارية بين القضاة والسلطة التنفيذية حاليا هي المتعلقة بشرعية مجلس الشعب، فعقب قرار مرسي بإعادة البرلمان للانعقاد رغم حكم المحكمة الدستورية العليا بحله، سارعت المحكمة نفسها إلى إبطال قرار الرئيس بحكم جديد وسط تصاعد للأزمة.
وازداد الموقف تعقيدًا بعد قرار سعد الكتاتني، رئيس البرلمان، بإحالة حكم الدستورية إلى محكمة النقض لتفسير كيفية وضعه حيز التنفيذ، وهو ما رأى فيه مراقبون "محاولة للعب على صراع تاريخي بين محكمة النقض والدستورية العليا".
وكانت المحكمة الدستورية العليا قد تأسست العام 1979 لتنتزع إحدى المهام التي كانت تقوم بها محكمة النقض وهي الفصل في دستورية القوانين.
ويقول أحمد مكي: "الدستورية العليا من حقها فقط الفصل في دستورية القوانين، لكن قرار صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب من عدمه تحدده محكمة النقض وفق نص الإعلان الدستوري الحالي".
بينما يرى جمال عيد أن خطوة الكتاتني هي محاولة للاستفادة مما وصفه بـ"استقلالية محكمة النقض"، التي تعد هي والمحكمة الإدارية العليا، من أكثر المحاكم انضباطًا وتغليبًا للقانون في أحكامهم".
الانقسام داخل المؤسسة القضائية سيأخذ شكلاً آخر، كما توقعت دراسة نشرتها مؤسسة "كارنيجى" للسلام الدولي في فبراير/شباط 2011، وقالت إن الأفراد المنتمين للتيار الإسلامي سينضمون بكثرة لمؤسسة القضاء في المستقبل، بعد أن كانت الأجهزة الأمنية تحول دون ذلك في الماضي، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى اختلاف التوجّه الأيديولوجي بين المنتمين للمؤسسة.
الحل للخروج من مأزق الانقسام الحالي أو المستقبلي هو صدور قانون السلطة القضائية الذي يؤكد على استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية ويضمن عدم تغليب الاتجاهات الأيدولوجية بحسب ناصر أمين رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء.
ويضيف: "نعيب على مجلس الشعب ذي الأكثرية الإسلامية تأخره في إصدار هذا القانون، وربما تحمل الأيام المقبلة ما يجعلهم يندمون أكثر وأكثر على عدم الإسراع بإصداره".
حب / أخ/حم
news_share_descriptionsubscription_contact
