إبراهيم غالي
القاهرة - الأناضول
بعدان جوهريان أراد الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" أن يبرزهما في ترابط واضح خلال زيارته التي اختتمها أمس الجمعة إلى كل من إسرائيل ورام الله والمملكة الأردنية..
أولهما بُعد أمريكي رمزي وعملي يتمثل في تأكيده على الثوابت التي حكمت رؤية الولايات المتحدة إلى إسرائيل منذ قيامها في عام 1948، وثانيهما بعد إستراتيجي وموضوعي يتمثل في تأكيد سياسات واقعية لا تختلف في مجملها اليوم عن أهداف إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.
حينما وطأت قدما أوباما الأربعاء الماضي مطار بن جوريون في تل أبيب تحدث عن تاريخ الشعب اليهودي الذي عاش في هذه الأرض قبل 3000 سنة، وكيف أنه عاد وأقام دولة مستقلة، وعبَّر عن فخره بأن بلاده في تحالف أزلي مع إسرائيل وأنها أفضل صديق لها.
ولدى زيارته لمؤسسة ياد فاشيم لتخليد ذكرى المحرقة النازية، تراجع أوباما عن تفسيره لقيام دولة إسرائيل بأنه "من أسباب محرقة النازي" كما رآه الإسرائيليون في خطابه للعالم الإسلامي بجامعة القاهرة في عام 2009؛ ليقول صراحة: "وجود دولة إسرائيل ليس نتيجة للمحرقة.. هنا أرضكم القديمة.. ولكن نظرًا لوجود دولة إسرائيل، فالمحرقة لن تُكَرر".
إن ما يريده الرئيس أوباما لإسرائيل وما يريده منها هو ما جعله يُعِيد من خلال الكلمات والخطابات أيضًا، وليس عبر مواقف التأييد والدعم التي منحتها إدارته خلال فترة ولايته الأولى فقط، تأكيد جملة الثوابت الأساسية التي حكمت سلوك الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ اعتراف الرئيس هاري ترومان بدولة إسرائيل في عام 1948.
ومن أبرز هذه الثوابت: الشعور بعقدة الذنب عن محرقة النازي لليهود؛ والنظر لإسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية تكنولوجية حديثة قوية في منطقة الشرق الأوسط،؛ ووجود عوامل تاريخية متشابهة بين نشأة الجمهورية الأمريكية وإسرائيل وأخرى دينية تتمثل بالكتاب اليهودي/ المسيحي المقدس وبفكرة يؤمن بها المحافظون الأمريكيون، ذكرها أوباما كذلك، هي عودة التائهين من الأمة القديمة إلى أرض الكتاب المقدس؛ والالتزام الأمريكي المطلق بضمان التفوق النوعي لإسرائيل منذ تطورت علاقاتهما العسكرية بعد حرب 1967؛ واعتقاد كل رؤساء الولايات المتحدة منذ دخول إدارة جونسون (1963 ـ 1969) على خط التسوية بضرورة إقرار صيغة ما للسلام بين العرب وإسرائيل باعتباره يضمن وجود إسرائيل وأمنها ويقود لاستقرار لم يتحقق أبدًا في المنطقة.
ولا ريب في أن أوباما لم يكن ليؤكد على الثوابت السابقة لغرض حملة شخصية للعلاقات العامة مع الإسرائيليين فقط، وإنما لأنه يدرك أن المنطقة في مطلع العام الجاري تختلف عن المنطقة في عام 2009، وأن على إدارته أن تظهر للفاعلين والحلفاء الإقليميين أنه ليس بوارد أن تنكفأ داخليًا بل إنها مستعدة لمواجهة التحديات التي يفرضها الوضع الجيوسياسي المتغير في الشرق الأوسط، وأن رسالته للإسرائيليين في هذا السياق هي ضرورة استيعاب المتغيرات والحقائق الجديدة التي ستخلق واقعًا مختلفًا بالشرق الأوسط؛ إذ كانت رسالته للجمهور الإسرائيلي في مركز المؤتمرات بالقدس، وليس في قاعة الكنيست، هي أن إسرائيل أقوى دولة بالمنطقة ولديها دعم ثابت من أقوى دولة في العالم، لكنه كصديق حميم يؤكد أن السلام ضروري وحيوي ومسار أضمن للأمن الحقيقي لأن أي "قبة حديدية" وأي جدار لا يستطيعان الدفاع عن إسرائيل من كل أعدائها، وأن الحلم الصهيوني يتحقق فقط بتسوية سلمية على أساس قيام دولة فلسطينية ذات امتداد جغرافي واستقلال وسيادة إلى جانب إسرائيل، وإلا فإن هناك خطرًا على يهودية إسرائيل.
وفقًا لهذه الرؤى الذاتية الثابتة يأتي البعد الموضوعي الخاص بالسياسات التي يتوجب على إدارة أوباما أن تنتهجها بين الإسرائيليين والفلسطينيين وفي سائر قضايا المنطقة؛ أخذًا في الاعتبار أن ظروف المنطقة تتغير، وقد تغيرت من قبل، لكن مصالح واشنطن وتل أبيب المشتركة لم تتعرض لتغيرات مماثلة، بل ربما أضيف إليها أعباء جديدة باتت تستلزم التحرك الأمريكي المكثف خلال الفترة القليلة المقبلة.
في محصلة الزيارة يبدو الترابط بين أربعة أمور كبرى تمثل استراتيجية واشنطن بالمنطقة، وهي: إحياء التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، ومواجهة الخطر النووي الإيراني، وخطر انتشار الأسلحة الخفيفة وربما الكيماوية والصواريخ لدى جماعات "إرهابية" مختلفة، والتكيف مع الاضطرابات الأخرى التي تمر بها دول عربية مركزية.
وبناءً على ذلك تسعى إدارة أوباما إلى إعادة هندسة سياسية تراتبية وتكاملية في آن معًا تتيح تحقيق هذه الأهداف مجتمعة. وتبدأ عناصر هذه السياسة في استعادة زخم التحالف الأمريكي ـ الإقليمي المناهض لإيران وسياستها وبرنامجها النووي؛ إذ يتضح أن إسرائيل قد حققت مكاسب كبرى من زيارة أوباما لأن إيران احتلت قمة الأولويات على أجندة الطرفين.
المعادلة "الأوبامية" تشبه إلى حد بعيد معادلة الرئيس السابق جورج دبليو بوش التي سعى لتفعيلها في عام 2008، بل وتشبه ما قامت به إدارة أوباما في عامي 2009 و2010 حين سعت لإحياء عملية التسوية، لكن أوباما يقود تنفيذ تلك المعادلة بمبادرة شخصية منه وبتغيير جوهري يمس الأساس الذي حاول انتهاجه مع إسرائيل حينذاك.
فأول ما يسترعي الانتباه هو أن أوباما يضغط على إسرائيل عن طريق الإقناع لعودة التفاوض، ويقول صراحة إن القيادة السياسية غير مؤهلة لتقديم تنازلات؛ ولذا خاطب الجمهور الإسرائيلي بأنه يجب السير على طريق حل الدولتين وتشجييع القيادة على تلك التنازلات.
بالمقابل نكص أوباما في رام الله عن رؤيته القائمة على وقف الاستيطان الإسرائيلي مقابل دخول الفلسطينيين التفاوض؛ فقد أكد للرئيس أبو مازن بعدم وضع العربة أمام الحصان، أي أن التفاوض كفيل بمناقشة قضية الاستيطان ضمن قضايا أخرى.
أوباما في عام 2009 كان يريد عودة التسوية بهدف إنجاز تاريخي قد يُحسَب له أمام الداخل والعالم، لكنه في ولايته الثانية يسعى لإنجاز ضئيل في هذا الملف لأغراض أخرى؛ حيث تعتقد إدارته أن مجرد إحياء التفاوض كفيل باستعادة زخم المحور العربي المعادي لإيران.
وهنا تحديدًا يأتي البند الثاني من سياسة واشنطن، وهو تهيئة أجواء المنطقة لأي أمور غير متوقعة بشأن ملف إيران النووي. يأتي في مقدمة ذلك ربط أوباما بين تطبيع الدول العربية مع إسرائيل وبين مجرد عودة المفاوضات، وكذلك الدور الذي لعبه في أن يقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو اعتذارًا رسميًا قبله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وذلك لتهدئة التوير بين البلدين، لأن تركيا تمثل قوة دفع إضافية للضغط في كافة ملفات المنطقة، وتمتلك علاقات مقبولة مع الأطراف الفلسطينية، وليس من مصلحة تل أبيب معاداة تركيا إذا ما أرادت مواجهة إيران لاحقًا أو إذا توصلت لتوافق ما مع الفلسطينيين.
أما البند الثالث فهو تطويق خطر الاضطراب في سوريا، وهو ما حظيت به تل أبيب عبر الحصول على دعم أمريكي لأي ضربة استباقية تقوم بها ضد سوريا أو حزب الله الذي طالب أوباما كل دولة أن تدرجه على لائحة التنظيمات "الإرهابية"، حتى لو أدى ذلك لحرب محدودة مع حزب الله، فضلاً عن ضمان منع تأثير ما يجري بمصر والأردن على اتفاقيات السلام الموقعة مع إسرائيل.
ويمكن استنتاج أن واشنطن سوف تكثف تحركاتها، ولو غير المباشرة، خلال العام الجاري من أجل وضع نهاية لنظام بشار الأسد، ليس بهدف تحقيق ما يصبو إليه السوريون من نجاح ثورتهم، بل من أجل "تحييد" النظام السوري تمامًا ومنعه من استغلال الهجوم على إيران إن حدث لمنع توسيع رقعة الحرب الإقليمية.
إن هذه البنود الثلاثة السابقة تمثل أعمدة معادلة أوباما "الملغومة" (إعادة ترتيب تحالفات الإقليم، وإحياء التفاوض وتسريع التطبيع، والتحييد الكامل لمحور الممانعة القديم) مقابل البند الرابع، وهو القضاء على خطر إيران النووي، سواءً بأيدٍ أمريكية أم إسرائيلية أم بالجهود الدولية، وتأهيل المنطقة لاستقبال هذا الاشتباك الضخم الذي لا تزال إدارة أوباما تحاول تجنبه.
وهنا يلاحظ أن ثمة تقاربًا أمريكيًا إسرائيليًا جديدًا تجاه الملف الإيراني ينهي الخلاف الذي كان معروفًا بينهما في وسائل الإعلام، فقد أقر نتنياهو بتقييم أوباما بأن إيران تحتاج عامًا كاملاً حتى تمتلك القنبلة النووية، وأقر أوباما برؤية إسرائيل القائمة على منع إيران "نووية" مهما كان الثمن؛ حينما قال إنه: "لا يتوقع أن يعود الإسرائيليون إلى واشنطن بشأن المسألة الإيرانية"، ما يحمل إشارة واضحة أنه يقبل ألا تعود إسرائيل لواشنطن في مسألة إصدار أمر بالقيام بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية. وهو ذات ما قاله نتنياهو بأن إسرائيل "ستدافع عن نفسها بدون مساعدة"، في إشارة إلى إمكانية اتخاذها قرارًا منفردًا بمهاجمة إيران.
ويعتبر هذا التوافق مجرد شكل ما من أشكال الضغط الأمريكي الجدي على النظام الإيراني من أجل لفت أنظار الإيرانيين إلى ضرورة نجاح المفاوضات الخاصة ببرنامجها النووي أكثر مما هو رسالة أمريكية بالقبول المطلق بتوجيه ضربة إسرائيلية لا يمكن تنفيذها دون غطاء وعلم أمريكي بكافة التفاصيل الدقيقة تحسبًا لاندلاع حرب إقليمية.
news_share_descriptionsubscription_contact
