نواكشوط/ الأناضول / سيدي ولد عبد المالك
يعتبر المجتمع الموريتاني من أكثر الشعوب ارتباطا بإرثه الثقافي وعاداته الشعبية، لدرجة يصعب معها التخلي عن بعض هذا الإرث حتي ولو كان متعارضا مع قيم الحداثة.
وتأتي الخيمة الموريتانية في طليعة التقاليد التي لازال المجتمع المحلي يتمسك بها بشكل كبير، رغم الهجرة الكبيرة لسكان الريف إلي المدن بحثا عن الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والشغل.
ويقول المختار لد النافع، الباحث في المركز الموريتاني للدراسات و البحوث الإستراتيجية، إن الانتقال من القرية إلي المدينة لم ينجح في فك ارتباط المجتمع الموريتاني بالخيمة، كما لم يفلح البيت الحجري المعاصر الذي يجسد ثقافة المدينة في منافسة الخيمة، حسب اعتقاده.
ويعتبر ولد النافع في تصريحات لمراسل "الأناضول" أن الارتباط بالخيمة حالة وجدانية تسكن الموريتانيين أينما حلوا وارتحلوا، مفسرا هذه الحالة بحضور الخيمة في بعض منازل أثرياء العاصمة نواكشوط وانتشارها الملحوظ في مختلف أرجاء المدينة.
وأشار إلي أن مظاهر هذا الارتباط ماثلة للعيان اليوم، مقدما مثالا على ذلك بانتشار تسمية الخيمة، بل وحتي إسقاط هذه التسمية على بعض المنشآت الخصوصية المحلية كفندق "الخيمة" الذي يعتبر من أفخم فنادق العاصمة، والذي اختار مالكه تصميم مجسمين للخيمة الموريتانية على سطح الفندق الواقع بقلب العاصمة نواكشوط.
ومع إقرار ولد نافع بأن مستقبل الخيمة بالمجتمع الموريتاني آخذ في التراجع بحكم موجة العمران التي تعرفها المدن الموريتانية، إلا أنه يرى أن "الخيمة إذا انحسر حضورها كفضاء مادي، فإنها ستبقي فضاء معنويا للموريتانيين لفترات طويلة".
ويعزز الباحث كلامه بتطور مدلول هذه الكلمة "الخيمة"، لدرجة أنه أصبح يحمل شحنة اجتماعية، فكلمة "الخيمة" تعني أيضا في القاموس الشعبي المحلي الأسرة.
ويرجع ولد نافع جذور هذه العلاقة إلي قرون عديدة، رابطا هذه العلاقة بالتراث القديم للمجتمع، ومعتبرا أن "الموريتانيين اتخذوا منذ القدم الخيمة مسكنا تأوي إليه الأسرة في مختلف مواسم السنة".
وتفرض الخيمة الموريتانية حضورها في الأحداث الرسمية الكبيرة والأنشطة السياسية و المناسبات الاجتماعية، فمعظم هذه الأنشطة تنظم تحت الخيام، وذلك بحكم الفضاء المفتوح الذي توفره الخيمة وطاقتها الاستعابية الكبيرة وأجواء الأريحية التي تضفيها على مثل هذه التجمعات الكبيرة.
ولم تغب "الخيمة الموريتانية" عن الحراك الاحتجاجي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة، سواء تعلق الأمر بالاحتجاج السياسي والنقابي والاجتماعي؛ حيث كانت الخيمة عنوانا بارزا من عناوين هذا الاحتجاج.
وكان ضرب الخيام في الاحتجاجات يعني أن حالة الاعتصام مستمرة، وقد تأخذ طابعا مفتوحا إذا لم يتم التجاوب مع مطالب ساكني الخيام.
وتوفر صناعة الخيام موردا اقتصاديا هاما لمئات النساء الفقيرات اللاتي يمتهن خياطة الخيام بالعاصمة نواكشوط و بعض المدن الموريتانية.