صنعاء / الأناضول / أحمد جلال
تغفو بدلال بين الأمواج المخملية الزرقاء.. غير عابئة بالمتطلعين لطبيعتها الفاتنة ووديانها الخضراء وجبالها الشاهقة ذات القمم المحدبة المكسوة عادة بعباءات أرجوانية من السحب التي تأبى إلا أن تستأثر بالقمم دون غيرها.. تتأمل تطلعنا إليها مزهوة بجمالها الأخاذ، وغموضها الساحر.
إنها سقطرى.. التي تكتب أيضًا سقطراء أو سقطرة أو سوقطرة، إلا أنها جميعًا تعبر عن شيء واحد هو ذلك الأرخبيل اليمني المكون من أربع جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الإفريقي (350 كم جنوب شبه الجزيرة العربية)، والذي تم تصنيفه كأحد مواقع التراث العالمي عام 2008 نظرًا للتنوع الحيوي الفريد والأهمية البيئية له، وكان لمراسل الأناضول جولة في أرجائه.
وما يكاد الزائر يظن أنه قد تحرر من انبهار النظرة الأولى، حتى يفاجأ أن الجزيرة، التي تسكنها قبائل عربية أصيلة يعتنقون الإسلام، تأسره أكثر مع كل خطوة يخطوها بين جنباتها المرصعة بطبيعة عذراء، لم يعبث ببكارتها غرور الإنسان بعد، تحرسها جبال شاهقة، أبرزها سلسلة جبال حجهر الممتدة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي لمسافة (24 كم) تقريباً، ويزداد ارتفاعها في الوسط والشرق وتضيق وتنخفض في الغرب، ليصل أعلى ارتفاع لها إلى أكثر من 3 آلاف كيلومتر في الوسط.
تكتسي جبال سقطرى بحلة خضراء دائمة من النباتات والأشجار المختلفة النادرة والفريدة، أبرزها شجرة "دم العنقاء" التي تتجمع أفرعها فيما يشبه المظلة الخضراء، تبرز منها أوراقها المدببة متجهة نحو السماء، فضلاً عن الأشجار المثمرة مثل الليمون الحامض، الذي يبدو أكبر حجمًا من نظيره خارج الجزيرة اليمنية، كما تنخفض درجة الحرارة إلى أقل من 10 درجات في الشتاء على جبال الجزيرة.
ليست الحلة الخضراء فقط ما يكسو جبال سقطرى، إذ يكسوها أيضًا رداء من الغموض، زاده ما يشيعه السكان المحليون (البالغ عددهم وفق آخر إحصاء قرابة 135 ألف)عن وجود ثعابين ضخمة مزخرفة الألوان، مرعبة في هيئاتها مع أنها غير سامة.
وحول الثعابين يحكي البعض ممن كانوا يتسلقون الجبال الوعرة لاصطياد طائر البشوشو لذيذ اللحم، أنهم وجدوا آثارا لثعابين تساوي في حجمها جذع النخلة الكبيرة، تعيش داخل شبكة من الكهوف الجبلية المتداخلة عند حواف الجبال المطلة على الساحل، ولا تبارح مكانها نظرا لحجمها الكبير، وتعتمد في غذائها على الطيور التي تجعل من نتوءات صخرية على فوهة تلك الكهوف مسكنا لها.
ومع خطورة دخول ذلك العالم الغامض في الجبال إلا أن لذة لحوم الطيور على الجزيرة تغري الصيادين بتسلق الجبال الوعرة والولوج إلى تلك الكهوف المنتشرة في جبال الجزيرة للحصول عليها، بالإضافة إلى لجوء بعض الرعاة للكهوف في أوقات القحط بحثًا عن ملجأ لهم وطعام لماشيتهم.
أما شواطئ سقطرى والممتدة لنحو 300 ميل فتتميز برمالها البيضاء الناعمة وموجها العازف لموسيقاه الخاصة المنبعثة من الأعماق الدافئة للمحيط، والمعبرة عن العناق الأبدي بين الشاطئ والبحر، وأخاديده الموحية بكثير من الغموض والمغرية بكثير من المغامرة والإقدام، وتدفع الزائر للخوض في زحام العشرات من الأحياء الجديدة والغريبة والمحتشدة بقليل من الترحيب وكثير من الحذر.
فالسرطانات عديدة الأنواع والألوان وخيار البحر وصغار السلاحف والقواقع الحية والشعاب المرجانية واللؤلؤ والعديد من الأحياء الأخرى ستكون هناك دائمًا في كرنفال من الحياة الممتلئة حراكا وحبورا، وهي ما أن تراك حتى تتنادى بقدومك لتشهد حراكا غير عادي لا تستطيع تمييزه بين ما هو ترحيب واحتفال بمقدمك أم استعداد للمواجهة المرتقبة مع الغريب المقتحم خلوتها، أو الهروب من خطر محتمل.
ويزيد من سحر الزائر ويجعله لا يشعر أن هناك في الكون مكانا أكثر جمالا وراحة للنفس المرهقة من سقطرى ، رغم ضعف البنية الأساسية والمرافق والخدمات العامة بها، تلك الشلالات الغزيرة التي لا ينضب ماؤها على مدار العام، أهمها شلالات "دنجهن" و"حالة"، و"مومي"، و"قعرة"، ينبع معظمها من أعالي الجبال على مدار العام.
سحر سقطرى لا يتوقف عند تضاريسها الطبيعية فقط، وإنما يتعده للنباتات والكائنات الحية بها أيضا، حيث يوجد بها نحو 750 نوعا من النباتات بينها نباتات طبية عديدة، فضلا عن أنواع الطيور الكثيرة، التي تشكل أحد معالم بيئة التنوع الطبيعي في الجزيرة، والذي يلمسه الزائر بسهولة حيث تطير بالقرب من الزائر وفوق الأشجار وفي مياه البحر، ويسمع الزائر أصواتها الجميلة والمتنوعة أينما تحرك.
وهناك نوع الطيور يحل بجانب الزائر إذا قرر الاستراحة في مكان ما وتناول الطعام ورمى بمخلفاته، حيث سرعان ما يلتهم هذا الطائر تلك المخلفات، ولذا يلقبه السكان المحليون بـ"المنظف"، أو "سوعيده"، باللهجة المحلية.
ينسى الزائر الزمن بين جنبات هذا الجمال الفتان، إلى أن يحل الليل ويصرخ جسمه طالبا الراحة، ويحتاج للطعام والنوم، فيبدأ بحثه عن مكان للإقامة، حيث لا يجد إلا 3 فنادق صغيرة فقط، لا تتوافق مع ما يمكن أن تمثله الجزيرة الساحرة من ثروة سياحية.