الخرطوم / الأناضول / محمد الخاتم - رغم مرور 23 شهرًا على انفصال جنوب السودان عن شماله بموجب اتفاق سلام أنهى عقودًا من الحرب الأهلية، لا تزال العلاقة بين البلدين أقرب للحرب منها إلى السلام وذلك بسبب حزمة من القضايا الخلافية المترتبة على الانفصال، بعضها نجح الطرفان في إبرام اتفاق متعثر حيالها، وبعضها لا يزال مستعرًا خصوصا النزاع الحدودي.
وعقد الرئيسان السوداني عمر البشير والجنوب سوداني سلفاكير ميارديت، مساء اليوم، لقاء قمة جديدة لتسوية الخلافات بين بلديهما في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا على هامش الاجتماعات التحضرية لقمة الاتحاد الإفريقي التي تنطلق السبت المقبل وتنتهي الاثنين تحت شعار: "الوحدة والنهضة الإفريقية".
وفيما لم تعلن بعد نتائج هذا اللقاء، قال مسئولون سودانيون في وقت سابق إنه سيبحث القضايا الخلافية بين البلدين، وخاصة القضية الأكثر تعقيدا بين البلدين والمتمثلة في نزاعهما على منطقة أبيي الغنية بالنفط.
وأبيي واحدة من خمسة مناطق حدودية يتنازع عليها الطرفين ولم يتوصلا لإتفاق حولها ضمن برتكول التعاون ويرى خبراء أن عدم الإسراع في فض النزاع حولها من شأنه نسف بقية الإتفاقيات.
وكان مقررا إجراء إستفتاء لأهل أبيي بالتزامن مع إستفتاء الجنوب، في يناير/ كانون الثاني 2011، لكن إختلاف الطرفين حول أهلية الناخب عطل الخطوة؛ حيث تتمسك الخرطوم بمشاركة قبيلة المسيرية بينما تصر جوبا على أن يقتصر التصويت على قبيلة دينكا نقوك بحجة أن قبلية المسيرية الرعوية لا تقيم في المنطقة بشكل دائم.
وخلافا للمناطق الخمسة هناك 6 مناطق أخرى، يدعي كل من الطرفين إنها تابعة له، لكنهما اتفقا على عدم مناقشتها إلى حين الفراغ من حل المناطق الخمسة التي تم تصنيفها كمناطق "متنازع عليها"، بينما تم تصنيف الستة كمناطق "مدعاة".
وفيما يلي جدول زمني بأبرز مراحل تطورات القضايا الخلافية بين جوبا والخرطوم منذ توقيع اتفاق السلام بينها:
في يناير/ كانون الثاني 2005:
وقعت حكومة الخرطوم اتفاق سلام مع "المتمردين الجنوبيين" في ذلك الوقت؛ ليطويان حربا خلفت أكثر من مليوني قتيل وشلت الحياة في جنوب البلاد وشمالها معا.
ونص الاتفاق على إجراء إستفتاء لتقرير مصير الجنوبيين في يناير/ كانون الثاني 2011.
في يناير/ كانون الثاني 2011:
تم تنظيم استفتاء على مصير الجنوب، وصوت الجنوبيين لصالح الإنفصال بأكثر من 98 %.
في يوليو/ تموز 2011:
تم إعلان أعلن جنوب السودان دولة مستقلة.
في فبراير/ شباط 2011:
أصدر الرئيس السوداني عمر البشير مرسوما جمهوريا أعلن فيه إعتراف بلاده بدولة الجنوب كدولة كاملة السيادة، قبل أن يتوجه إلى عاصمتها جوبا للمشاركة في إحتفالات إعلانها وإفتتاح سفارة بلاده كأول سفارة تفتح في الدولة الوليدة.
ورغم مشاركة البشير والحفاوة التي استقبله بها نظيره الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت وتأكيد الرجلين على ديمومة السلام، إلا أنهما عجزا عن حل نزاعتهما حول جملة من القضايا المترتبة على الإنفصال أبرزها: تبعية بعض المناطق الحدودية، وكيفية إقتسام عائدات النفط حيث استحوذ الجنوب الذي لا منفذ بحري له على 75% من حقول النفط بينما استحوذ الشمال على البنية التحتية اللازمة لعمليات النقل والتكرير والتصدير.
في يناير/ كانون الثاني 2012:
بعد فشل الطرفين في التوصل إلى إتفاق حول الرسم الذي يفترض أن تدفعه جوبا للخرطوم مقابل تصدر نفطها عبر أراضيها قررت الأولى وقف إنتاج نفطها متهمة الثانية بأنها إستحوذت على شحنة نفطية، وهو ما أقرت به الخرطوم، لكنها رفضت وصف جوبا للخطوة بأنها "قرصنة"، ورأت أن الشحنة حق مستحق لها مقابل خدمات التصدير.
ومثل وقف جنوب السودان لإنتاجه من النفط - البالغ 300 ألف برميل يوميا وهو ما يعادل 98 % من إيرادات الدولة الوليدة - ضربة قاسية لإقتصاد البلدين؛ حيث تعثرت أيضا التجارة الحدودية بينهما، والتي كانت تدر ملايين الدولارات للشمال الذي يصدر للجنوب غالبية إحتياجاته.
كما فاقم هذا القرار من تدهور العلاقة بين جوبا والخرطوم، وتبعه تزايد حدة الإتهامات المتبادلة بدعم أي طرف لللمتمردين على الأخر، وإتسعت رقعة المساحة التي ينشط فيها المتمردين، وكان ذلك دليلا كافيا بالنسبة للمتابعين للشأن السوداني على "حرب الوكالة" التي خاضتها الدولتين، قبل أن تنجرفان سريعا إلى حرب مباشرة.
في أبريل/ نيسان 2012:
احتلت قوة تابعة لجيش الجنوب منطقة هجليج الحدودية والتي تنتج حوالي نصف النفط السوداني البالغ وقته 120 ألف برميل يوميا، وسط إنتقادات دولية غير مسبوقة لجوبا التي تتمتع منذ سنين الحرب الأهلية بدعم علني من الغرب على حساب الشمال .
وبررت جوبا خطوتها بتبعية المنطقة لحدودها، واعتبرتها ردا على هجمات نفذها الجيش السوداني على أراضيها، وأصرت على عدم الإنسحاب من المنطقة.
لكن الجيش السوداني تمكن بعد 10 أيام من استرداد المنطقة من جيش الجنوب بعد معركة دموية تمددت في مناطق حدودية أخرى، وعجلت بتدخل مجلس الأمن الدولي للحيلولة دون إنزلاق البلدين إلى حرب شاملة.
في مايو/ آيار 2012:
أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2046، الذي يلزم البلدين بوقف الإعتداءات وحل نزاعهما سلميا، مع التهديد بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على الطرف المتعنت وأمهلهما حتى نهاية أغسطس/ آب من ذات العام لتنفيذ القرار.
وفوض المجلس الأممي الاتحاد الأفريقي بمهمة متابعة تنفيذ القرار على أن ترفع لجنة الوساطة تقارير دورية له، ويتضمن التقرير الأخير للجنة مقترحات للحل يلزم بها مجلس الأمن الطرفين في حال فشلا في الاتفاق.
في 30 أغسطس/ آب 2012:
انتهت المهلة التي حددها مجلس الأمن في قراره رقم 2046 دون إتفاق الطرفين على أي من القضايا الخلافية بإستثناء قضية النفط حيث إتفقا على رسم تصديره؛ وهو ما شجع مجلس الأمن على تمديد المهلة شهرا إضافيا نجح خلاله الطرفين في حسم بقية القضايا الخلافية باستثناء المناطق الحدودية المتنازع عليها.
في سبتمبر/ أيلول 2012:
وقع الرئيسان البشير وسلفاكير على برتوكول تعاون شمل تسع إتفاقيات أبرزها إتفاقية تصدير النفط وإتفاق أمني يمنع أي طرف من دعم المتمردين على الطرف الآخر ونص على إنشاء منطقة منزوعة السلاع بعمق 10 كيلو في حدود أي منهما.
لكن الطرفين فشلا في تنفيذ الإتفاقيات بسبب إشتراط الخرطوم تنفيذ الإتفاق الأمني أولا ووقف جوبا للدعم الذي تقول إنها تقدمه للمتمردين.
وكان الخلاف يعود بالأساس لتفسير بعض النصوص الوادرة في الإتفاق الأمني حيث تقول الخرطوم بأنها تلزم جوبا بنزع سلاح متمردين يحاربون الجيش السوداني في مناطق متاخمة لها وإنحازوا للجنوب آبان الحرب الأهلية بينما تقول جوبا أنها لا يمكن أن تتدخل عسكريا في دولة أخرى وأنها ملتزمة بعدم دعم المتمردين وأكدت أكثر من مرة أنها قطعت علاقاتها التنظيمية معهم منذ إنفصالها في 2011.
في مارس/ آذار 2013:
بعد ضغوط دولية وفشل 3 لقاءات قمة بين البشير وسلفاكير عقدت بأديس ابابا نجح البلدين في حسم الخلاف؛ وذلك بالإتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة مهمتها التحقق من عدم دعم أي طرف للمتمردين على الآخر ولها صلاحية التحرك ميدانيا بعمق 50 كيلو في حدود أي طرف.
وحدد الطرفين الـ 10 من الشهر ذاته موعدا لبدء تنفيذ الإتفاقيات التسع بالتزامن، وهو ما بدأ فعليا وأعقبه زيارة البشير إلى جوبا كعلامة حسن نية.
في 17 مايو/ آيار 2013:
بدأت تلوح في الأفق بوادر أزمة جديدة بين الطرفين؛ حيث اتهمت الخرطوم جوبا بمواصلة دعمها للمتمردين.
في 22 مايو/ آيار 2013:
قال سلفاكير إن سريان نفط بلاده عبر الشمال قد يتوقف في أي لحظة؛ لأن مسار العلاقات بين البلدين يتقهقر إلي الوراء، وذلك قبل ساعات من إتهام جوبا رسميا للخرطوم بإغلاق أحد أنابيب النقل.
لكن وزيرا النفط بالبلدين قالا أمس الخميس (23 مايو/ آيار 2013) عقب مباحثات بالخرطوم إن سبب توقف سريان النفط؛ يعود لأسباب فنية.
ومع ذلك وفي تهديد مبطن، قال عوض الجاز وزير النفط السوداني إن اتفاق النفط يجب أن ينفذ بالتزامن مع بقية الإتفاقيات الأمنية والسياسية والإقتصادية.
news_share_descriptionsubscription_contact
