نبيل فهمي.. دبلوماسي "المهام الصعبة" في مشهد عربي مضطرب (بروفايل)
قرر مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، الموافقة بالإجماع على قرار ترشيحه أمينا عاما ورفع توصية بذلك لقمة القادة المقررة في السعودية، وفق مصدر رسمي مصري..
Al Qahirah
حسين القباني/ الأناضول
في خضم أزمة سياسية وضغوط دولية معقدة، عُيّن نبيل فهمي وزيرًا للخارجية المصرية منتصف عام 2013، قبل أن يعود اسمه اليوم إلى الواجهة بدعم عربي جماعي لترشيحه أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
فهمي، البالغ 75 عامًا، يُعد أحد أبرز رموز الدبلوماسية المصرية في العقد الأخير. وُلد في نيويورك في 5 يناير/ كانون الثاني 1951، ولا يحمل سوى الجنسية المصرية، وهو أب لثلاثة أبناء، بحسب سيرته الذاتية.
ولا تنفصل مسيرته عن إرث عائلي دبلوماسي راسخ، فهو نجل إسماعيل فهمي، الذي تولّى حقيبة الخارجية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وقاد الدبلوماسية المصرية خلال مرحلة مفصلية تزامنت مع حرب أكتوبر 1973، وأسهم في صياغة توجهات السياسة الخارجية في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ البلاد.
** محطة الجامعة العربية
المحطة الأحدث في الطريق الدبلوماسي الطويل لفهمي، كانت الأحد، خلال جلسة عربية عقدت عن بعد برئاسة البحرين، حيث أقر مجلس الجامعة العربية، على المستوى الوزاري، بالإجماع، ترشيحه أمينا عاما للجامعة خلفا لأحمد أبو الغيط، مع رفع توصية بذلك لقمة القادة المقررة في السعودية، وفق بيان للخارجية المصرية.
ومع إقرار متوقع في قمة القادة سيتولى فهمي المنصب لـ"مدة خمس سنوات اعتبارًا من 1 يوليو (تموز) المقبل"، مع احتمال التجديد لفترة ثانية وأخيرة كما جرى العرف الذي يتضمن أيضا أن يكون الأمين العام من دولة المقر (مصر).
وسيكون نبيل فهمي هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن المختار من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة لتونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل.
وسبقه في ذلك 7 شخصيات مصرية وشخصية تونسية، مع تولى المصري عبد الرحمن عزام أمينا عاما للجامعة من 1945 إلى 1952، ومواطنه محمد عبد الخالق حسونة من 1952 إلى 1971، ومواطنه محمود رياض من 1971 إلى 1979، والتونسي الشاذلي القلبيبي من 1979 إلى 1990.
ما سبقه المصري أحمد عصمت عبد المحيد من 1990 إلى 2001، ومواطنه عمرو موسى من 2001 إلى 2011، ومواطنه نبيل العربي من 2011 إلى 2016 وأخيرا أحمد أبو الغيط من 2016 (حتى 30 يونيو/ حزيران 2026 بعد التجديد له في مارس/آذار 2021).
ويأتي طرح اسم نبيل فهمي من جانب مصر لتولى هذا المنصب في توقيت ومشهد معقد، مع مرور شهر على اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على طهران في 28 فبراير/شباط الماضي، ورد طهران باستهداف دول عربية.
ويدرك فهمي أبعاد تلك "المهمة الصعبة"، وقال في بيان نقلته وسائل إعلام مصرية عقب الموافقة العربية على قرار الترشيح: "هذه المسؤولية الكبيرة أتحملها بكل جدية ووعى، في ظل ما تواجهه أمتنا".
وأشار إلى أن الأمة العربية تواجه "تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي".
وبخلاف الاستهداف الإيراني المتواصل لدول عربية، لا تزال إسرائيل تواصل حرب إبادتها ضد قطاع غزة، بخروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين أول 2025، بخلاف تلويح إسرائيلي متكرر بالتوسع في المنطقة.
تلك العقبات التي يواجهها المشهد العربي، يقف أمامها نبيل فهمي بتعهد بالسعي لمواجهة التحديات، أقره في بيانه قائلا: "هذا الترشيح أمانةً غالية، التزم بالحفاظ عليها وصونها، من خلال جامعة الدول العربية، والتشاور مع أعضائها، للتصدي للتحديات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا".
** محطات دبلوماسية وأكاديمية
تلك المحطة الدبلوماسية العربية سبقها محطات عديدة بدأت منذ التحاق فهمى بالسلك الدبلوماسي عام 1976، حيث أتاحت له الظروف أن يكون في قلب الأحداث قريباً وشاهداً ومشاركاً في قضايا السياسية الخارجية المصرية"، وفق ما يذكر الدبلوماسي المصري السيد أمين شلبي في مقاله بصحيفة الأهرام الحكومية عام 2024.
أبرز المحطات كانت في يوليو/ تموز 2013، مع تولي فهمي منصب وزير خارجية مصر، في وقت عصيب إثر أزمات سياسية معقدة بالبلاد آنذاك، قاد خلالها الرجل مهمة الدبلوماسية لمدة عام بـ"توازن مع المجتمع الدولي، رغم الضغوط التي كانت تواجهها القاهرة آنذاك"، وفق إعلام محلي.
وبين السلك الدبلوماسي والمسار الأكاديمي، كانت بصمات نبيل فهمي وأدواره، إذ شغل منصب سفير مصر لدى واشنطن من 1999 لـ2008، ولدى طوكيو من 1997 لـ1999، وكان مستشارًا سياسيًا لوزير الخارجية من 1990 إلى 1997، وخدم في بعثات مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة بنيويورك من 1986 لـ1990، وفي جنيف من 1978 إلى 1982.
وانتُخب فهمي لشغل مناصب رفيعة في عدد من اللجان الدولية، منها نائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة، ورئيس المجلس الاستشاري لنزع السلاح التابع للأمين العام للأمم المتحدة عام 2001.
وترأس أو شارك في العديد من الوفود المصرية إلى مؤتمرات دولية، من بينها مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فضلًا عن العديد من اجتماعات جامعة الدول العربية بحسب المعلومات التي حصلت عليها "الأناضول".
وأكاديميا، حصل فهمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، على بكالوريوس في الفيزياء والرياضيات عام 1974، ودرجة الماجستير في الإدارة، 1976.
وفي 2009، أسس كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتولى عمادتها حتى 2013، ثم عاد ليتولى المنصب مجددًا من أواخر 2014 حتى عام 2022، بخلاف عضويته في هيئة تحرير مجلة "مراجعة الصين والشرق الأوسط" التابعة لكلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين، وفق المعلومات ذاتها.
ومُنح فهمي وسام "الشمس المشرقة" من إمبراطور اليابان ناروهيتو، كما حصل على عدة أوسمة حكومية رفيعة من فرنسا والأردن والكويت ورومانيا، ودرجة الدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية من معهد مونتيري للدراسات الدولية (المعروف حاليًا باسم معهد ميدلبري للشؤون الدولية).
كما يعد نبيل فهمي صاحب قلم ورؤية وخبرة طويلة، وكاتب عمود صحفي يُنشر في عدة صحف، ومؤلف لثلاثة كتب: كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان "دبلوماسية مصر في الحرب والسلام ومراحل التحول" (2020)، وكتابان باللغة العربية: "من قلب الأحداث" (2022)، و"الشرق الأوسط يُعاد تشكيله في أزمنة مضطربة" (2024).
ومع مرر شهر على حرب إيران، يعود فهمي مجددا من قلب الأحداث مترقبا بعد أشهر تولي منصبه كأمين عام للجامعة العربية، في ظل توقيت صعب ومشهد معقد عربيا وإقليميا وعالميا، ليجد نفسه في "مهمة صعبة" جديدة.
