الدول العربية, أخبار تحليلية, التقارير

حفتر وألغام طرابلس.. أسلحة "جنائية مؤجلة" (تحليل)

توصف الألغام بأنها أسلحة مؤجلة لأن ضررها يمتد لسنوات طويلة لكنها تعتبر جرائم حرب لا تنتهي بالتقادم، فهل ستحاسب مليشيات حفتر جنائيا على زرعها المفخخات بأحياء جنوبي طرابلس؟

02.06.2020
حفتر وألغام طرابلس.. أسلحة "جنائية مؤجلة" (تحليل)

Turkey

إسطنبول/ مصطفى دالع/ الأناضول

بلا رحمة.. لم تنسحب مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، من الأحياء الجنوبية للعاصمة الليبية طرابلس إلا بعدما زرعت عددا كبيرا من الألغام في أرجائها، بل فخخت حتى بيوت النازحين، مما يؤكد أن انسحابها بلا رجعة، لكنه انتقام طويل الأمد، قد لا ينتهي برحيلها.

فخلال 5 أيام فقط من بداية إزالة الجيش الليبي الألغام والعبوات الناسفة والفخاخ المتفجرة، قتل 21 شخصا وجرح 18، بحسب إعلام محلي، بينهم نازحون عادوا لتفقد بيوتهم بعد تحرير أحيائهم علّهم يقضون عيد الفطر بين أهلهم وجيرانهم، لكن مليشيات حفتر والمرتزقة الروس أبوا إلا أن يفسدوا أفراح العائدين.

وانكشف مجددا حقيقة الهدنة التي أعلنها أحمد المسماري، المتحدث باسم مليشيات حفتر، الذي ادعى أنها لأسباب إنسانية وبمناسبة العيد، في الوقت الذي كان المرتزقة وأتباعهم ينسجون خيوط الموت في أحياء صلاح الدين وعين زارة ومشروع الهضبة وغيرها قبل انسحابهم.

وناشدت السلطات الليبية المواطنين النازحين الذين يمتلكون منازل في المناطق المحررة من مليشيات حفتر توخي الحذر وعدم التسرع بالعودة، خشية تعريض حياتهم للخطر، إلى غاية انتهاء عمليات تطهير هذه المناطق من المفخخات.

كما أدانت الأمم المتحدة "استخدام عبوات ناسفة مبتكرة" في عين زارة وصلاح الدين جنوبي طرابلس، مشيرة إلى "مقتل وجرح ساكني هذه المناطق، بينما كان النازحون يبحثون عن ملاذ آمن أثناء عطلة العيد".

** حفتر على خطى "داعش"

زرع الألغام والعبوات الناسفة لا يختلف في شيء عن قيام تنظيم "داعش" الإرهابي بتفخيخ مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، أواخر 2016، مما أعاق السيطرة عليها عدة أشهر وخلّف مئات الضحايا بين قتيل وجريح، بعضهم أصيب بعاهات دائمة.

مما يعيد التساؤلات حول حقيقة العلاقة بين مليشيا حفتر و"داعش"، فالقائد الميداني في الجيش الليبي الطاهر بن غربية، أشار إلى أن بعض المفخخات والألغام تشبه تلك التي استعملها "داعش" في سرت.

بل وتحدث بن غربية، في لقاء مع قناة "ليبيا بانوراما" (خاصة) عن مقتل أحد قيادي "داعش" (لم يسمه) في قاعدة الوطية الجوية (140 كلم حنوب غرب طرابلس) والتي تم تحريرها في 18 مايو/أيار الجاري من أيدي مليشيات حفتر.

وعمليات تفخيخ أحياء قريبة من وسط العاصمة أصاب أنصار حفتر بطرابلس بالصدمة، وبعضهم يرفض التصديق أن من يسمون أنفسهم بـ"الجيش الوطني" والذين يزعمون أنهم جاؤوا لتحرير العاصمة، رحلوا مخلفين وراءهم ألغاما لقتل أبنائها!!

** تفكيك الألغام يحتاج لدعم دولي

بإمكانيات بسيطة، تمكن رجال الهندسة العسكرية في الجيش الليبي من تفكيك أكثر من 600 لغم، بينها 102 مضادة للدروع و218 مضادة للأفراد و280 متفجرات يدوية، خلال خمسة أيام، بحسب قناة فبراير (خاصة).

ومن بين 21 قتيلا، توفي عدد من أفراد الهندسة العسكرية أثناء تفكيكهم لهذه المفخخات، التي يتم تفجير بعضها عن بُعد، مما يزيد من حجم المخاطر والتضحيات.

وهذا يتطلب دعما دوليا وأمميا سريعا للجيش الليبي، وتزويده بالمعدات الحديثة لتفكيك الألغام وتقليص عدد الضحايا إلى أقصى حد.

الحروب قد تنتهي لكن الألغام قد لا تنفجر إلا بعد عشرات السنين، وهذا ما قصدته البعثة الأممية بليبيا، في بيانها الأخير "هذه الأعمال لا تخدم أي هدف عسكري، وتثير الخوف الشديد بين السكان، وتنتهك حقوق المدنيين الأبرياء، الذين يجب حمايتهم بموجب القانون الدولي الإنساني".

** 54 سنة والجزائر تفكك ألغام فرنسا

ففرنسا مثلا زرعت 8.8 ملايين لغم على حدود الجزائر مع تونس والمغرب ما بين 1956 و1962، لوقف تدفق الأسلحة إلى الثورة الجزائرية.

لكن حتى بعد الاستقلال 1962، ورحيل الفرنسيين، إلا أن الألغام واصلت حصد أرواح الجزائريين لعشرات السنين ، رغم أنها لم يعد لها أي جدوى عسكرية.

إذ بلغ عدد ضحايا حقول الألغام 2470 بين قتيل وجريح (ما بين 1962- 2016)، بحسب تقرير تقدمت به السلطات الجزائرية للأمم المتحدة في 2019.

والمفارقة أن موسكو التي ساعدت الجزائر بعد الاستقلال في تطهير الحدود من حقول الألغام وفقدت خلالها اثنين من رجالها، تسمح اليوم لشركة فاغنر (الروسية) بزرع ألغام ومساعدة مليشيات حفتر على تفخيخ أحياء عاصمة مغاربية، رغم خطورة ذلك على المدنيين، ولو بعد مرور سنوات طويلة.

** 56 عاما لاقناع ايطاليا بتعويض الليبيين

فالألغام وما تخلفه من أضرار بشرية ومادية باعتبارها من "الأسلحة المؤجلة"، تعتبر من جرائم الحرب، التي تستوجب المحاسبة الجنائية والتعويض المادي والمعنوي.

وليبيا كدولة لها سابقة في هذا الأمر، حيث توصلت في 1998، بعد مفاوضات طويلة إلى اتفاق مع ايطاليا، دخل حيز التنفيذ في 2009، حول "تقديم تعويض مالي ومعنوي عن الأضرار التي لحقت الشعب الليبي الناجمة عن المخلفات والألغام التي زرعها المتحاربون في الأراضي الليبية إبان الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) وكافة التعويضات عن الفترة الاستعمارية (1911-1942)".

حيث أعلن رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلوسكوني، خلال زيارته إلى ليبيا في 2008، أن روما ستدفع لطرابلس 5 مليارات دولار على مدى 25 عاما المقبلة تعويضا عن الحقبة الاستعمارية.

لكن هل يعي حفتر وداعموه خطورة استخدام الألغام في تجمع سكاني كبير مثل طرابلس، ليس فقط إنسانيا، بل وجنائيا، وهذا الأمر يمكن وصفه أيضا بـ"السلاح المؤجل".

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın