أخبار تحليلية

تركمان العراق.. مشاكلهم ودور تركيا في حمايتهم - مقال تحليلي

كتب الباحث والأكاديمي التركي "سرحات إركمن" للأناضول

Zahir Ajuz,Mohamad Aldaher  | 28.10.2016
تركمان العراق.. مشاكلهم ودور تركيا في حمايتهم  - مقال تحليلي

İstanbul

إسطنبول/ سرحات إركمن/ الأناضول

بالتزامن مع بدء العملية العسكرية لتحرير مدينة الموصل من يد تنظيم داعش الإرهابي، سُلّطت الأضواء مجدداً على العراق.

ومن الطبيعي أن يكون التركمان هم الأكثر تضرراً من التأثيرات التي خلّفها تنظيم داعش الإرهابي على السياسة العراقية وتقسيماته الإدارية في المناطق العراقية، إلى جانب هيكلية البلاد الجغرافية.

ومن الممكن عرض المشاكل التي يعاني منها التركمان في العراق خلال العامين الأخيرين في عدّة نقاط أهمها:

- التغيّر الجغرافي للتركمان

قبيل ظهور تنظيم داعش الإرهابي في العراق، واتساع رقعة المساحة التي يسيطر عليها، كان التركمان يعيشون في مدن شمال العراق كالموصل، وصلاح الدين، وكركوك، وأربيل، وديالى، والسليمانية، وواسط، ودهوك.

ويعيش السواد الأعظم للتركمان في مدينة الموصل وكركوك، وينتشرون بكثافة في بعض المناطق والبلدات بالمدن الآنفة الذكر، إلّا أنّ احتلال داعش لمناطق في العراق، وما أعقب ذلك من تحرك عسكري لمحاربة التنظيم، أدّى إلى تقليص مساحات التركمان في هذا البلد.

وعقب احتلال داعش للموصل وصلاح الدين، أُرغم جزء كبير من التركمان على ترك منازلهم ومناطقهم التي عاشوا فيها سنين طويلة، فقد حدث نزوح كبير من مناطق التركمان نحو أماكن أكثر أمناً، وتصدّر قضاء تلعفر ومحيط طوزخورماتو وقرة تبه قائمة المناطق الأكثر نزوحاً.

وتوّجه قسم من هؤلاء النازحين إلى مخيمات في دهوك وأربيل وكركوك، فيما فضّل قليل منهم الذهاب إلى السليمانية، ورغم تحرير بعض المناطق التركمانية من داعش بواسطة قوات البيشمركة والميليشيات، إلّا أنه لم يُسمح لقسم كبير من التركمان بالعودة إلى بيودتهم وقراهم التي هُجّروا منها.

وبالتالي فإنّ التركمان تعرضوا خلال الفترة الماضي لضغط سياسة الإرهاب المتبع من قِبل داعش من جهة، ومحاولات التغيير الديمغرافي من جهة أخرى، فأضاعوا نتيجة ذلك قسماً من أراضيهم ومناطقهم.

- ارتفاع حدة النزاعات المذهبية

أشعل الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، فتيل النزاعات المذهبية في العراق، وباتت هذه النزاعات من أهم مقوّمات الحياة السياسية في هذا البلد، وبطبيعة الحال فإنّ النزاعات المذهبية طالت التركمان أيضاً، فالتعددية المذهبية بين التركمان أنفسهم، ليست بالأمر الحديث، ولم ترق هذه التعددية إلى مستوى خلق مشاكل سياسية واجتماعية بين التركمان، غير أنّ المرحلة التي أعقبت الاحتلال الأمريكي شهدت ظهور بوادر الخلافات السياسية بين صفوف التركمان، لتتحول هذه الخلافات في بعض المناطق إلى اشتباكات مسلحة وخاصة في تلعفر.

ففي قضاء تلعفر بدأت موجة رفض للاحتلال الأمريكي، سرعان ما تحوّلت بعد عام إلى حرب داخلية بين التركمان، ناتجة عن استفزازات مذهبية مارستها بعض الجهات.

وبقيت الخلافات المذهبية المستشرية بين التركمان لسنوات طويلة محصورة في قضاء تلعفر، وفي عام 2014 انتقل فتيل هذه الخلافات ليشتعل في مناطق أخرى مثل طوزخزرماتو ومناطق وبلدات في كركوك.

ويعدّ قيام تنظيم داعش الإرهابي بقتل التركمان الشيعة أو تهجيرهم قسراً، من أهم العوامل التي أدت إلى إشعال فتيل النزاعات المذهبية بين التركمان، وإنّ ممارسات داعش الإرهابي ضدّ الشيعة، دفعت بهذه الطائفة إلى وضع داعش وعامة السنة في كفة واحدة والتعامل معهم على هذا الأساس.

كما أدى تهميش سنّة العراق من قِبل الحكومات المركزية في بغداد إلى ظهور بعض المجموعات السنية المتطرفة، فإنّ انتشار داعش في العراق وممارساته ضدّ الشيعة أدّى إلى خلق أجواء مماثلة بين صفوف الشيعة التركمان في هذا البلد.

- الجغرافية التركمانية في العراق تحولت إلى مسرح للاشتباكات

اتساع رقعة الأراضي التي سيطر عليها داعش الإرهابي، وفقدان التركمان لمناطقهم، جعل من الأماكن التركمانية في هذا البلد مسرحاً للاشتباكات والنزاعات، وعلى وجه الخصوص فقد شهدت المناطق التركمانية الموجودة في القسم الشمالي من العراق، أعنف هذه الاشتباكات.

ونتيجة لتوسع تنظيم داعش في المناطق التركمانية، والاشتباكات التي جرت بسبب هذا التوسع، دخلت عناصر أخرى إلى المناطق التركمانية مثل البيشمركة والميليشيات والفصائل المسلحة، فبدأت هذه القوات تسعى لبسط سيطرتها على مناطق التركمان في طوزخورماتو، وشمال ديالى، ومحيط كركوك، وشمال الموصل، وشرق سنجار، حتّى أنّ عناصر من منظمة "بي كا كا" الإرهابية دخلت بعض مناطق كركوك بحجة محاربة داعش.

- تأثيرات النزوح على البنية الاجتماعية

إضطرار التركمان إلى النزوح عن مناطقهم وصعوبة عودتهم إليها مرة أخرى، خلقت انكسارات في البنية الاجتماعية لديهم، فالآلاف من تركمان تلعفر وطوزخورماتو لا يأملون في العودة إلى ديارهم حتّى لو تمّ دحر داعش منها، فالتركمان لديهم نسيج اجتماعي عشائري، ونتيجة للنزوح القسري الذي تعرضوا لها خلال السنوات الأخيرة، فإنّ هذا النسيج بدأ بالانكسار، واصطحب معه مخاوف اضمحلال الهوية التركمانية.

وعلاوة على ذلك يواجه التركمان صعوبة في العودة إلى مناطقهم بعد استعادتها من داعش، كقرى "ينكيجه" وباستاملي" و"أبود" التي تتيع لـ "طوزخورمواتو". ويبقى خطر عدم تمكن التركمان من العودة إلى مناطقهم، ماثلًا في المناطق التي ستستعاد مستقبلا في القرى والبلدات التابعة للموصل، وتلعفر، وسيكون لذلك تأثير كبير على تهميش دور التركمان السنة بعد طرد داعش من الموصل. والأمر نفسه ينطبق على التركمان الشيعة، بعد تهجيرهم من مناطقهم، وانخراطهم وتبعيتهم للميليشيات المسلحة.

وبالمجمل يبقى التركمان، جراء هذه الحرب وجه لوجه أمام خطرين، أولًا: فقدان مناطقهم الجغرافية التي عاشوا فيها، ثانيًا: فقدهم للعوامل الموضوعية التي حافظت على هويتهم الثقافية في النسيج الاجتماعي العراقي.

داعش وتأثيره على الدور السياسي للتركمان

استطاع التركمان على مدى السنوات السابقة الاجتماع تحت مظلة واحدة هي الجبهة التركمانية العراقية، التي تمكنت من توحيد كافة الرؤى التركمانية على اختلاف مشاربها في بوتقة واحدة، ونجحت في الانخراط بالعملية السياسية في العراق، وخاصة بعد انتخابات عام 2010.

إن سيطرة داعش على مناطق شاسعة في العراق، واضطرار التركمان لترك مناطقهم، وتهافت الجماعات المسلحة التي تحاربها إلى المناطق الشمالية في العراق، كبّل التحرك السياسي لتركمان العراق في الموصل وديالى وصلاح الدين.

ومع مرور الوقت يواجه التركمان في مدينة كركوك صعوبات كثيرة في تحركاتهم السياسية، لا سيما وأن كركوك تعد بمثابة القلب لتركمان العراق، وذلك بسبب الصراع الذي يلوح في الأفق على هذه المدينة بين الحكومة المركزية والإقليم الكردي شمالي العراق.

هل من الممكن إعادة إحياء دور فاعل للتركمان؟

علينا ألا ننسى أنَّ وجود التركمان وتنظيمهم السياسي، ووعيهم الجمعي داخل المجتمع العراقي، متجذر، لهذا من الممكن إحياء دور التركمان بشكل فاعل وقوي داخل العراق، ولتحقيق ذلك يجب اتخاذ العديد من التدابير العاجلة، على رأسها، إعادة الثقة للتركمان بأن تركيا على قدر المسؤولية، في الحفاظ على حياتهم، وأنها تقف خلفهم من أجل عودتهم إلى مناطقهم التي هجروا منها.

يجب على تركيا ألا تكتفي بمنح التركمان الدافع المعنوي في هذا الخصوص، بل تعيد إحياء الأمل من جديد في أعينهم.

لا يمكن لأحد أن يتغاضى عن الدور الإنساني الذي لعبته تركيا في إغاثة العراقيين، ومن بينهم التركمان، وهذا غير كافٍ لدولة مثل تركيا، بل يجب عليها أن تمتلك رؤية استراتيجية حيال التركمان، تتجاوز الدور الإنساني، على رأسها حماية أرواحهم في المقام الأول.

وفي المقام الثاني بإمكان تركيا أن تلعب دورا من أجل ضمان عودة التركمان إلى مناطقهم بسلام، بعد طرد داعش منها. ومن ثم عدم السماح لأن تكون قرى وبلدات ومناطق التركمان، ليس في تلعفر فحسب بل في الموصل وصلاح الدين، ساحة للاشتباكات المسلحة.

وأخيرا من أجل حفظ أرواح تركمان العراق وهويتهم الثقافية لا ينبغي لتركيا الاكتفاء بالقوة الناعمة، بل امتلاك زمام المبادرة في تفعيل أدوات القوة الخشنة إن لزم الأمر.


الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın