الدول العربية, أخبار تحليلية, التقارير

العراق.. اغتيال الهاشمي اختبار للكاظمي (تحليل)

لا يبدو أن رئيس الوزراء العراقي يملك من الأدوات ما يكفي لإخضاع السلاح لسيطرة مؤسسات الدولة ومنع وجود أي قوة فوق القانون

10.07.2020
العراق.. اغتيال الهاشمي اختبار للكاظمي (تحليل)

Iraq

العراق/ رائد الحامد/ الأناضول

تعدّ حادثة اغتيال هشام الهاشمي برصاص مجهولين قبل أيام اختباراً حقيقياً لقدرات رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على فرض سلطة الدولة وضبط سلاح المجموعات الشيعية المسلحة خارج هيئة الحشد الشعبي وإخضاعها لمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وإخراج العراق من "اللادولة" إلى دولة المؤسسات.

فهشام الهاشمي، 47 عاماً، هو عضو في المجلس الاستشاري العراقي الذي يضمّ نخبة من الأكاديميين والباحثين والسياسيين السابقين لتقديم الاستشارات لصناع القرار، له عدة مؤلفات وعشرات الدراسات عن التطرف والجماعات المسلحة وعمل مستشاراً لعدد من كبار المسؤولين في الحكومة العراقية، وفي عدد من مراكز الأبحاث العراقية والغربية وهو كثير الظهور كخبير أمنى في الفضائيات المحلية والعربية.

وعمل الهاشمي، طيلة سنوات مع كبار مسؤولي الدولة العراقية الأمنيين والتنفيذيين ضمن تخصصه في دراسة وتحليل الجماعات المسلحة العاملة في العراق، وتقديم الاستشارات للأجهزة الأمنية حول تلك الجماعات وتأثيرها على الأوضاع الأمنية في العراق، بما فيها تركيزه بعد انتهاء العمليات القتالية ضد تنظيم داعش نهاية 2017 على نمو المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران ومناهضتها بالدعوة إلى مركزية مؤسسات الدولة.

قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أصدر الكاظمي أوامره لقوات جهاز مكافحة الإرهاب لمداهمة موقع تابع لكتائب حزب الله العراق ومصادرة منصات إطلاق صواريخ واعتقال مقاتلين، أفرج عنهم فيما بعد "لعدم كفاية الأدلة"، وهي الخطوة (المداهمة والاعتقال) التي أشاد بها الهاشمي وأثارت غضب ناشطي هذه الكتائب عليه في مواقع التواصل الاجتماعي واتهامه بالتعاون مع القوات الأمريكية.

وألزم الكاظمي نفسه ثانيةً ببذل الجهد لإخضاع السلاح لسيطرة مؤسسات الدولة ومنع وجود أي قوة فوق القانون، وملاحقة قتلة الهاشمي وتقديمهم للقضاء مع إجراءات أخرى تشير إلى اهتمامه الشخصي بحادثة الاغتيال مثل إقالة قائد الشرطة المسؤول عن منطقة حي زيونة وسط بغداد حيث يسكن الهاشمي، وتشكيل لجنة تحقيق على مستوى عال من وزارتي الدفاع والداخلية وإجراءات أخرى.

لكن لا تزال ثمّة شكوك بقدرة مصطفى الكاظمي على المساءلة الحقيقية للجناة والجهات التي أمرت بتصفية الهاشمي.

وبعد أكثر من شهرين على تسلمه رئاسة السلطة التنفيذية، تواصل المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران (الفصائل الولائية) إرسال رسائل واضحة لمصطفى الكاظمي لثنيه عن تحقيق وعوده بحصر السلاح بيد الدولة وضبط نشاطات الفصائل المسلحة المتهمة بزعزعة الأمن والاستقرار عبر تنفيذ الهجمات على القوات والمصالح الأمريكية في العراق.

ويواجه الكاظمي انتقادات حادة من جهات إيرانية محسوبة على الحرس الثوري لتجاهله إخراج القوات الأمريكية من العراق، وهو ما يتفق مع مطالبات مماثلة من "الفصائل الولائية"، إضافة إلى تمسك إيران بعدم المساس بهيكلة فصائل الحشد الشعبي أو محاولة تفكيكها ونزع أسلحة فصائلها.

ويعتقد متابعون للشأن العراقي، أن "انحياز" الهاشمي المطلق ودوره في الفضاء الإعلامي بوقوفه إلى جانب المحتجين "قد" يكون سببا مضافا إلى أسباب أخرى تفسرها الفصائل الولائية بمواقف مناهضة أو معادية لها، خاصة ترويجه لفكرة إخراج الدولة العراقية من سيطرة المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران ونزع سلاحها ومحاسبة المسؤولين عن قتل مئات المحتجين وتوجيهه الاتهام إلى هذه المجموعات بشكل مباشر مع انتقادات متكررة لحكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي لفشلها في مواجهة قتلة المحتجين وعدم محاسبتهم وإفلاتهم من العقاب.

فيما يرى آخرون، أن قوة علاقة الهاشمي وعمله كمستشار لرئيس المخابرات المتهم من قبل كتائب حزب الله العراق بالتواطؤ مع الأمريكيين في مقتل المهندس وسليماني "قد" تكون سببا رئيسيا في تركيز هذه الكتائب، أو مجموعات أخرى من الفصائل الولائية على الانتقام من الكاظمي باغتيال أحد أهم المقربين منه.

وارتبط الهاشمي بعلاقة عمل مع مصطفى الكاظمي منذ تعيينه رئيساً لجهاز المخابرات العراقي واستمرت هذه العلاقة بعد تسلمه رئاسة الوزراء.

وأوائل هذا العام، اتهمت كتائب حزب الله العراق رئيس المخابرات العراقية آنذاك، مصطفى الكاظمي، بالتواطؤ مع الأمريكيين في تسهيل مهمة اغتيال أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وأبدت اعتراضات شديدة على تمرير حكومته في مجلس النواب، في ذات الوقت الذي هددت بإسقاطه ومواصلة تنفيذ الهجمات ضد القوات والمصالح الأمريكية في العراق.

تؤكد حادثة اغتيال هشام الهاشمي على واقع هشاشة قدرة المؤسسات الأمنية على ضبط الأمن وحماية المواطنين.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الهاشمي المقرّب من رئيس الوزراء تلقى تهديدات من فصائل مسلحة حليفة لإيران بعد حملة المداهمة والاعتقالات التي نفذتها قوات حكومية بأمر من الكاظمي الذي يشغل منصب القائد العام للقوات المسلحة.

وعلى الرغم من "شبه إجماع" على اتهام "الفصائل الولائية" بالمسؤولية عن حادثة اغتيال هشام الهاشمي، إلا أن بعض هذه الفصائل تحاول توجيه الرأي العام باتجاه اتهام تنظيم داعش، مثل تصريحات أدلى بها النائب كريم العبودي، المتحدث باسم كتلة "الصادقون" التي تمثل الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق في مجلس النواب، وتأكيده على أن الهاشمي قدّم المشورة الأمنية لأجهزة مكافحة الإرهاب والجيش العراقي والحشد الشعبي في حربهم على التنظيم، وانه أعدّ عشرات الدراسات حول التنظيم والجماعات المتطرفة الأخرى.

لكنّ مصطفى الكاظمي اتهم الجماعات المسلحة "الخارجة على القانون" بالمسؤولية عن اغتيال هشام الهاشمي متعهدا بملاحقتهم ومحاكمتهم، فيما حثّت السفارة الأمريكية ببغداد الكاظمي على الوفاء بوعوده وتقديم المسؤولين عن اغتيال الهاشمي إلى العدالة.

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن حادثة الاغتيال مع اتهامات مباشرة للمجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران والتركيز على كتائب حزب الله العراق، أصدرت هذه الكتائب بيانا نفت فيه مسؤوليتها واصفة الاتهامات الموجهة إليها بأنها "نهج تتبعه وسائل الإعلام المعادية للشعب العراقي للنيل من العراقيين الشرفاء عبر تلفيق التهم لهم".

وعلى الرغم من مقتل مئات المحتجين السلميين منذ أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي دون الوصول إلى الفاعلين ومحاكمتهم، إلا أن الاهتمام واسع النطاق بحادثة اغتيال الهاشمي على المستوى المحلي والدولي قد يدفع رئيس الوزراء لاتخاذ المزيد من الإجراءات على صعد عدة.

وهناك مخاوف قد تكون مبررة من دخول العراق في دائرة العنف مع استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة لتنفيذ الاغتيالات التي بلغت المئات منذ بدء الاحتجاجات أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دون تحديد الجهات المسؤولة عن قتلهم أو تقديمهم للقضاء.

لذلك، يجد الكاظمي نفسه ملزما باتخاذ إجراءات واضحة نظرا للاهتمام المحلي والدولي الواسع بحادثة الاغتيال، مثل الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي طالب وزير خارجيتها بتقديم المسؤولين إلى العدالة واتهامه "ضمنا" المجموعات المسلحة الحليفة لإيران بقوله إن الهاشمي تلقى مرارا تهديدات من هذه المجموعات قبل أيام من مقتله.

الاهتمام الكبير بحادثة اغتيال هشام الهاشمي على مستويات عدة تضع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أمام تحدي الإيفاء بوعوده التي عاد وكررها بعد الحادثة ببذل الجهد لعدم السماح ببقاء أي سلاح خارج سلطة الدولة أو أي جماعة مسلحة خارج القانون.

وسيكون عليه وضع آليات لإعادة النظر بسلاح فصائل هيئة الحشد الشعبي وإخضاعه لسلطته المباشرة، ونزع أسلحة المجموعات والجماعات المسلحة "المنفلتة" وتفكيكها.

ولا يبدو أن الكاظمي يمتلك ما يكفي من الأدوات لتنفيذ وعوده التي ألزم نفسه بها لإدراكه أن قوة ونفوذ تلك المجموعات والجماعات تتفوق كثيراً على قدرة المؤسسات الأمنية في إمكانية إدخال العراق بحالة من الفوضى الأمنية خلال ساعات إذا قرر قادتها ذلك.

في كل الأحوال، سيجد الكاظمي نفسه أمام خيار مفاتحة الولايات المتحدة في زيارته المرتقبة إلى واشنطن لمساندته على تخطي الاختبار الحقيقي لسلطاته ومساحة القرار "المتدنية" التي يمتلكها بصفته رئيس أعلى سلطة تنفيذية وقائدا عاما لكل القوات المسلحة العسكرية والأمنية وشبه العسكرية بما فيها هيئة الحشد الشعبي المرتبطة مباشرة بمكتبه، للعمل على استعادة المساحة الأخرى من القرار الذي تحوزه قيادات الحشد الشعبي وقيادات المجموعات المسلحة الحليفة لإيران في المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية وغيرها من مؤسسات الدولة العراقية.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın