سارة آيت خرصة
الرباط ـ الأناضول
أمام دكانه بالمدينة العتيقة بالرباط ، يضع "عطى الله " معروضاته الأثرية التي يقول إنه أتى بها من الصحراء وحصل عليها من مناطق بعيدة، وجاء بها إلى العاصمة ليعرضها أمام السياح الأجانب باعتبارها قطعا أثرية فريدة تعود بعضها إلى مئات السنوات، تكتنز ثراتا ثقافيا فريدا.
" تسمح لنا وزراة الثقافة المغربية بعرض هذه القطع الأثرية، وتتم عمليات البحث عنها وجلبها وبيعها تحت مراقبة السلطات المغربية " يقول "عطى الله" (49 سنة) يمسك مبردا يشذبه به قطعة خشبية قديمة، يتحدث عطى الله على أنها تعود لسنة 1909 لإحدى البيوت التقليدية بمدينة ورزازات المغربية (جنوب المغرب)، حيث كانت القبائل الأمازيغية تحرص على تزين أبواب بيوتها بنقوش ورسومات من وحي ثقافتها المحلية ومخزونها التراثي الشعبي.
"على هذه القطعة الخشبية التي تداعت بسبب عدم صيانتها لسنوات، نجد رموزا لبعض الحروف الأمازيغية القديمة ورسوما أخرى للقمر للأهمية التي كان يكتسيها في نظام حياة هذه القبائل وتنظيم مواسم حصادها وزرعها " يقول عطى الله في حديثه للأناضول، إلى جانب سلسلة الأبواب القديمة التي يتوفر دكان عطى الله التراثي، يرص هذا المغربي المولوع بجمع القطع القديمة وحفظها وصيانها وفي بعض الأحيان يتمكن من بيع بعضها للسياح الذين يتصادف عبورهم من أمام دكانه، لعلها تثير إعجاب أحدهم ليبادر لاقتنائها.
ويقول عطى الله إن عددا كبيرا من القطع الأثرية النادرة ما تزال في بعض الأحيان في المغرب مطمورة تحت الأرض ولم تصل بعد إلى يد المنقبين على الآثار، على الرغم من الجهود التي تبدلها وزارة الثقافة المغربية في هذا السياق ومعهد الأركيولوجيا في العاصمة المغربية الرباط ، لكن جزء كبير من هذا التراث المادي ما يزال عرضة للضياع، مالم يجد طريقه نحن المتاحف والمعارض، التي تجعل منه ملكا مشاعا لكل المغاربة ووسبلة للتعرف على تراثهم وتاريخهم القديم .
داخل الدكان الأثري يحتفظ عطى الله ببعض القطع التي يقول أنها نادرة، حيث يضع على أحد الرفوف جرات طينية جاءت بها من المناطق الصحراوية واستطاع الحصول عليها بفضل بعض أبناء المنطقة ممن يجعلون من الاتجار في القطع الأثرية حرفة لهم، وبالقرب من الجرات الطينية، رصت أوان نحاسية ، يشرح عطى الله للأناضول أنه حصل عليها من إحدى المنازل العتيقة في مدينة سلا بالقرب من الرباط ، حيث كانت تستقر العائلات الأندلسية، والأثرياء من المورسكيين الفارين من مدن الأندلس بعد طردهم من قبل الإسبان.
عطى الله الذي يشرح بإسهاب تاريخ كل قطعة أثرية على حدة، ويقدر بحدس العارف بالحقب التاريخية التي توالت فيها على المغرب حضارات عدة وسكنته شعوب مختلفة، لكنه اختار أن يتوفق طويلا أمام إحدى الزرابي التي يعرضها أمام دكانه العتيق، التي يعود تاريخ صنعها لأزيد من 300 سنة، وهي من أصول فاسية ( نسبة إلى مدينة فاس وسط المغرب) حيث اشتهرت المدينة بالصناعة التقليدية بمختلف أنواعها، لكنها عرفت في مختلف أنخاء المغربي الأخرى بجودة الزرابي، "التي كانت تقضي نسوة ساعات طوال في غزل صوفيها وتلوينه" يقول عطى الله .
يهش على كل قطعة أثرية بمنديله الذي لا يفارقه الغبار، يرتب كل آنية في مكانها، يمسك عطى الله بمبرده ويعود ليستغرق في أشغال صيانة الأبواب الخشبية القديمة، التي أضحت عادته اليومية، يعرفه كل جيرانه في المدينة القديمة بالرباط بحرصه على الحفاظ عليها.