علاء وليد
القاهرة-الأناضول
في منطقة الساحل السوري التي تشمل محافظتي اللاذقية وطرطوس (غربا) يكثف جيش النظام من مجازره بحق سكان مدن هذه المنطقة التي تقطنها غالبية سنية في مسعى لدفعهم نحو النزوح عن أراضيهم وإحلال آخرين موالين له مكانهم من أجل إقامة دويلة طائفية يحكمها بشار الاسد.
لم يأت اختيار النظام السوري لارتكاب المجازر في منطقة محدودة تحوي خطوط تماس بين الطائفتين السنية والعلوية (الطائفة التي يتحدر منها بشار الأسد) من فراغ أو بمحض الصدفة، فمع تقدم الجيش الحر في مختلف أنحاء البلاد، وخاصة جبهة العاصمة دمشق ومعارك تحرير المطارات العسكرية، وكذلك زيادة الحديث مؤخراً عن احتمالات وسيناريوهات التدخل العسكري بعد الضربة الجوية التي وجهتها إسرائيل إلى النظام قبل أيام، يسعى الأخير للعب بورقته الأخيرة.
وتتمثل هذه الورقة في إيجاد ملاذ آمن له ولشبيحته علّه ينجو من الملاحقة الجنائية والعقوبات على المجازر المرتكبة في البلاد على مدى أكثر من عامين والتي سقط ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، وليؤمن لنفسه دويلة يمارس فيها حكمه ولو على منطقة محدودة جغرافياً.
وتشهد بانياس المختلطة طائفيا، والواقعة في محافظة طرطوس ذات الغالبية العلوية، والمناطق المحيطة بها حالة من النزوح الجماعي للسكان بعد العثور الاثنين على 62 جثة علي الأقل في حي سني جنوب المدينة.
وقال المرصد السوري لحقوق الانسان إن الجثث وبينها 14 طفلا عثر عليها في حي رأس النبع، موضحا ان الضحايا "استشهدوا خلال اقتحام القوات النظامية يرافقها عناصر من جيش الدفاع الوطني من الطائفة العلوية للمنطقة".
ويتخوف سكان البلدات القريبة من مجازر مماثلة بحقهم.
ففي مدينة جبلة الساحلية (30 كم جنوب اللاذقية شمال شرق سوريا)، أعرب السكان الأربعاء عن مخاوفهم من ارتكاب جيش النظام السوري وشبيحته مجزرة جديدة بحقهم، ضمن ما أسموه "حملة تطهير عرقي ينتهجها النظام".
والثلاثاء، قال عبد الحميد زكريا، الناطق الرسمي باسم قيادة الأركان المشتركة للجيش السوري الحر، في تصريحات خاصة لمراسل الأناضول، إن "ما يفعله بشار في بانياس الآن هو محاولة لتهجير السنة من المنطقة لإقامة كيان أسدي (تابع لبشار الأسد) يشمل مناطق اللاذقية وبانياس وطرطوس (غرب)".
النظام يستلهم فظائع الماضي
لم يكن هذا التكتيك القائم على ارتكاب عدد من المجازر الكبيرة في مناطق محددة من أجل إرهاب سكانها وإجبارهم على النزوح من مدنهم وقراهم في عملية (ترانسفير)، ثم القيام بإعادة توزيع ديموغرافي ممنهج بإحلال عائلات موالية للأسد في هذه المناطق التي ينزح عنها سكانها، والذي يتبعه نظام بشار الأسد في الوقت الحالي " جديدا أو وليد اللحظة " لكنه نسخة مكررة مما قام به نظام الأب حافظ الأسد في حماة قبل 31 عاما.
ومجزرة حماة، بدأت في 2 فبراير/شباط عام 1982 واستمرت 27 يوماً ضد محتجين في المدينة ضد حكم آل الأسد، وقام النظام السوري حينها بتطويق المدينة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكرياً, وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين. وكان قائد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد.
طرطوس عاصمة الدويلة المنتظرة
لم يرتبط مخطط النظام لتأمين " ملاذه الآمن " فقط بتسارع أحداث الوضع الميداني على الأرض، فمنذ أشهر عدة بدأ نظام بشار الأسد بإعداد وتأهيل البنى التحتية ومقومات تأسيس الدولة المرتقبة في الساحل.
فقد عمل على تجهيز المطار الزراعي في طرطوس ليصبح مؤهلاً لاستقبال وإقلاع الرحلات الدولية، وكذلك عمل على إصدار عدد من القرارات عن طريق حكومته تتعلق بالسماح وتشجيع نقل المعامل الحكومية والخاصة من مناطق الصراع إلى المناطق الآمنة والمعني هنا هو طرطوس.
كما بدأت أخيرا عمليات هجرة عكسية لأبناء الطائفة العلوية من العاصمة إلى الساحل وعمليات نقل الأسلحة النوعية وبكميات كبيرة إلى هذه المنطقة.
وتظهر هذه التطورات ان طرطوس هي خيار النظام لتكون عاصمة للدويلة العلوية الموعودة والابتعاد عن خيار اللاذقية الأكبر شهرة ومساحة، وذلك لما تتمتع به الأولى من مزايا عديدة تتفوق فيها على جارتها الساحلية.
فغالبية سكان طرطوس ينتمون إلى الطائفة العلوية، في حين أن اللاذقية تعاني من وجود عوائق ومنغصات عديدة أبرزها وجود نقاط تماس كبيرة بين السنة والعلويين خاصة في مدينتي جبلة التي تحوي وحدها نحو ربع مليون نسمة والحفة ناهيك عن جبلي الأكراد والتركمان اللذين يسيطر عليهما الجيش الحر بالكامل، كما أن طرطوس تحظى بحماية مباشرة من القاعدة الروسية الموجودة فيها.
وتعتبر قاعدة طرطوس التي أقيمت بموجب اتفاق وقع بين سوريا وروسيا في العام 1971، هي الوحيدة لروسيا في البحر الأبيض المتوسط.
إن معادلة النظام في إنشاء دويلة طائفية على امتداد الساحل السوري وأجزاء من حمص تمر بمنغصات وعوائق كثيرة، داخلية على الأقل، لعل أبرزها وجود جزر وجيوب للطائفة السنية في مختلف المناطق، وعدم وجود مقومات اقتصادية قادرة على قيام تلك الدولة مع خروج حقول النفط والغاز من يد النظام وكذلك المناطق الزراعية، لذلك فهي تبقى ملاذا آمنا وخيار الفرصة الأخيرة أمام نظام بشار الأسد.