فؤاد مسعد
عدن –الأناضول
رغم أن الحركة الاحتجاجية التي بدأت جنوب اليمن عام 2007 بدت ذات صيغة سياسية، إلا أن ثمة حقائق تشير بقوة إلى الحضور الفاعل للأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية، نظرا للظروف المعيشية التي آل إليها الكثير من موظفي الجنوب بعد حرب العام 1994، حين أحيل بعضهم للتقاعد المبكر، كما تم تسريح قطاع كبير من موظفي المؤسسات التي كانت مملوكة للدولة، وتوقف العمل فيها، الأمر الذي أدى لخروج مئات الموظفين من سوق العمل.
يقول قائد صالح 57 سنة، مدير سابق في مؤسسة تعاونية تم تصفيتها، إن غالبية الموظفين كانوا في السابق يعتمدون بدرجة رئيسية على الوظيفة الحكومية بفعل التوجه الاقتصادي الموجه الذي كان معمولا به في نظام الحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب قبل الوحدة.
ويضيف صالح لمراسل الأناضول: إن غالبية المؤسسات التي كانت خاضعة للحكومة تم إهمالها، وتعطل العمل فيها ما أدى لحرمان منتسبيها من حقوقهم المكتسبة لسنوات طويلة من العمل، وزادت معدلات البطالة لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين الذين كانوا في السابق يعتمدون على الدولة في توفير فرص العمل و التعليم والصحة وغيرها.
الخصخصة في الجنوب
بعد حرب 1994 بدأت الحكومة خصخصة بعض المؤسسات والوحدات الاقتصادية وتصفية البعض الآخر بطرق مختلفة، وتشير إحصائيات رسمية إلى أن 136وحدة اقتصادية تم تصفيتها في الفترة بين 1994 و2007، وفقا لما أورده تقرير المكتب الفني الذي خولته الحكومة مهمة الإشراف على الخصخصة.
ويقول ناشطون في الحركة الاحتجاجية إن "مؤسسات بيعت أصولها ومعداتها بالكامل وتم تأجير أراضيها بأرخص الأثمان ولمدة زمنية تصل لثلاثين عاما".
وفي حين يعد محمد محسن، شاب، وزملاؤه المحتجون "تصفية الوحدات الاقتصادية الجنوبية وتسريح عمالها مشكلة كبرى بالنظر لما نجم عنها من أضرار وتداعيات سلبية" فإن آخرين يتفقون مع رؤية الحكومة على أن "خصخصة تلك المؤسسات أو بيعها هو النتيجة الطبيعية بعد صدور قرارات حكومية وضعت حدا لتلك الوحدات التي تشير تقارير الحكومة إلى أنها كانت تعاني الفشل".
وفي مقدمة ذلك قرار مجلس الوزراء رقم 15 لعام 1994 بشأن خصخصة المؤسسات والمرافق العامة، وقرار مجلس الوزراء رقم 8 لعام 1995 بشأن الإجراءات التنظيمية والتنفيذية للخصخصة، وقرار مجلس الوزراء رقم 6 لعام 1996 بشأن إنشاء المكتب الفني للخصخصة تحت إشراف رئيس مجلس الوزراء، وآخرها صدور قانون الخصخصة رقم 45 لعام 1999.
وتعزو الحكومة إقدامها على تلك الإجراءات لـ"وجود مشاكل في القطاع العام والمختلط الذي يعاني من ضعف الإدارة وتضارب أهدافه الاقتصادية والاجتماعية"، إضافة لما اسمته ترهل هيكله الوظيفي، وضعف هياكله التمويلية، وتدهور أدائه المالي وعجوزاته المالية الكبيرة وخاصة الوحدات ذات الطابع الخدمي، وبحسب تقارير رسمية وصل الدعم المقدم لها إلى نحو 50 مليار ريال يمني في عام 2003، تعادل حينها 330 مليون دولار أمريكي.
ومع ذلك فإن الجهات المختصة تعترف بتبعات تلك التصفية، وأبرزها تسريح العمالة الذي بدوره أدى إلى تزايد أعداد العاطلين.
ومع أن قانون الخصخصة ينص على أن ينقل العاملون المتفق على عددهم من الوحدة الاقتصادية التي تمت خصخصتها إلى الشركة المنشأة بنفس الشروط السابقة من مرتبات، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، حسبما أكد قائد صالح لمراسل الأناضول، ويستدل على ذلك بتصاعد الاحتجاجات من قبل مئات العمال و الموظفين الذين وجدوا أنفسهم ضمن شريحة اجتماعية واسعة صارت تعرف بـ" خليك في البيت".
الوحدة والمشكلة الاقتصادية
و منذ مايو/أيار 1990 موعد إعلان الوحدة اليمنية بدأت الدولة الوليدة تواجه التحديات الكثيرة والاقتصادية منها على وجه الخصوص، سيما أنه بعد حوالي شهرين اندلعت أزمة الخليج باحتلال العراق للأراضي الكويتية في الثاني من أغسطس/ آب 1990.
وكردة فعل للموقف الرسمي اليمني الذي بدأ مؤيدا للعراق، تم طرد مئات الآلاف من اليمنيين المغتربين في السعودية ودول الخليج، وهو ما ضاعف من المشاكل و الاعباء الاقتصادية على الحكومة اليمنية التي كانت تتلمس خطواتها الاولى بعد 70 يوما على تشكيل الدولة الجديدة.
وتراكمت المشكلة الاقتصادية إثر دمج نظامين اقتصاديين فاشلين كما يقول مراقبون ، وظل اليمن يعتمد بشكل رئيس على المساعدات الخارجية لقلة موارده الاقتصادية وخصوصا النفطية، وتجلت المشكلة أكثر في المحافظات الجنوبية حيث كان المواطنون يعتمدون على ما تقدمه الدولة من خدمات وفرص خلافا للوضع السائد في الشمال حيث يعمل غالبية السكان لدى القطاع الخاص الذي يشغل نسبة كبيرة كما يعمل البعض في الزراعة ومجالات مهنية وحرفية أخرى.
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد اليمني بنسبة 4 % عام 2013 في ضوء إشارات لانتعاش الاقتصاد المحلي رغم الصعوبات الجمة التي واجهها العام الماضي وانكماش بنحو 10% في عام 2011.
الثروة والسكان
سكان اليمن الذين يزيد عددهم عن العشرين مليون نسمة، ينتمي أكثر من ثلثيهم للمحافظات الشمالية التي كانت تعرف باسم الجمهورية العربية اليمنية، بينما نجد أن أقل من الثلث هم من أبناء المحافظات الجنوبية التي كانت تمثل قبل الوحدة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وتبلغ مساحة اليمن 550 ألف كم مربع، تشكل محافظة حضرموت في الجنوب ما يزيد عن ثلثها، وتوجد معظم الثروات النفطية والغازية في محافظات حضرموت و شبوة ومأرب، شرق ووسط البلاد.
ويقول ناشطون في الحركة الاحتجاجية الجنوبية إن المواطنين في الجنوب حينما يرون ثرواتهم تهدر بدون فائدة تعود عليهم، تتزايد لديهم الرغبة في الانفصال اعتمادا على كونهم اقلية سكانية مقابل ثروة أوفر، وفقا لما قاله الناشط محمد محسن لمراسل الأناضول.
وانطلقت في الحادي عشر من فبراير/ شباط 2011 ثورة شعبية أطاحت بالرئيس اليمني على عبد الله صالح الذي يواجه حاليا اتهامات شعبية بالاستيلاء على أكثر من 50 مليار دولار من مقدرات البلاد.
وفي الاتجاه ذاته تكررت تصريحات لمسئولين في الحكومة عن اعتماد ما يقارب 70% من مخصصات التنمية للمحافظات الجنوبية لتلبية احتياجاتها، وهو ما ظل الرئيس السابق علي صالح يطرحه كلما حضر الحديث عن إهمال المناطق الجنوبية.
ويستدل المدافعون عن هذا الاتجاه بما تقره المشروعات الحكومية في خططها التنموية الفصلية والسنوية، ومنها الموازنة السنوية لهذا العام 2013 التي تعتمد مبلغ 25،300 مليون ريال يمني لمحافظة الضالع الجنوبية والبالغ عدد وحداتها الإدارية 9 مديريات، تحت بند "الإعانات والمنح"، وهو رقم يناهز ما اعتمدته الحكومة لست محافظات شمالية مجتمعة تحت البند نفسه، وهي عمران التي تتجاوز مديرياتها 15 مديرية، وتحصل على 2،723 مليون ريال، والجوف4،975، مأرب7،908، المحويت1،450، البيضاء6،092، وصعدة7،404،
ووفقا للميزانية المعتمدة فإن ما تحصل عليه أصغر محافظة يمنية وهي المهرة في الجنوب من البند ذاته 10،292 مليون، ويتجاوز ما تم اعتماده لأهم محافظة يمنية وهي العاصمة صنعاء بفارق يناهز مائة مليون ريال، وهو يقارب الرقم الذي تتجاوز به حصة عدن مثيلاتها في كل من صنعاء وتعز والحديدة وإب وحجة وذمار، إذ يحصلن مجتمعات على ما يقارب 48 مليون ريال، بينما تحصل عدن على ما يزيد عن 143 مليون ريال،
بطالة مرتفعة
تشكل البطالة المتنامية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه اليمن، ووفقا لتقارير غير رسمية فإن النمو السكاني المتسارع بمعدل يصل إلى 3،5 في المائة سنويا، و في بلد يعاني تراجعا ملحوظا في الموارد والإمكانات يضاعف من حجم المشكلة، و في الآونة الاخيرة اشارت الإحصاءات إلى أن نسبة البطالة تصل في أوساط الشباب إلى 60%، ووصلت نسبة الفقر 54%، بحسب تقرير صدر عن البنك الدولي اواخر العام الماضي، بينما تقدر الحكومة نسبة البطالة بـ34%، وتتوقع - وفقا لميزانيتها السنوية 2013 - أن تتراجع إلى 32%.
وتشير إحصاءات سوق العمل في اليمن إلى أن ما يزيد عن 150 الف شخص يدخلون السوق سنويا، بينما لا تزيد فرص العمل المتوفرة عن 22 ألف فرصة عمل،
خبراء في الاقتصاد اليمني لا يرون فوارق تذكر بين الأوضاع الاقتصادية لليمنيين في الشمال أو في الجنوب، إذ تبدو الأوضاع بشكل عام متقاربة.
ويخلص الباحث اليمنى عبدالغني المعمري إلى أن محافظة تعز تحتل المرتبة الأولى من حيث نسبة البطالة بنسبة 16.3% ثم تليها أمانة العاصمة صنعاء بنسبة 13.4% ثم محافظة الحديدة بنسبة 12.9% فمحافظة اب بمعدل 8.6% ، و جميعها محافظات تتبع شمال اليمن،
ووفقا للدراسة التي أعدها الباحث قبل اندلاع الأحداث الاخيرة وتفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية، وارتفاع البطالة بشكل ملحوظ، تأتي محافظة عدن عاصمة الجنوب قبل الوحدة في المرتبة التالية وبنسبة 6.5% ،فيما كانت نسبة البطالة بحدوها الدنيا في محافظات مأرب وعمران وريمة شمال البلاد وأخيرا محافظتي الضالع والمهرة في الجنوب.
وبحسب الدراسة فإن ما يزيد عن 42% من البطالة تتركز في اكبر ثلاث محافظات شمالية، تعز وصنعاء "العاصمة" والحديدة.
ومع أن المدير السابق في إحدى المؤسسات الاقتصادية في الجنوب قبل الوحدة، قائد صالح لا يشكك في هذه الأرقام إلا أنه يدافع عن حق المحتجين الجنوبيين في المطالبة بحقهم كونهم دخلوا في الوحدة باتفاق شراكة يضمن لهم العيش الكريم و العدالة الاجتماعية والمساواة في الثروة والسلطة، باعتبارها من أهم أهداف الوحدة اليمنية.
ويضيف لمراسل الأناضول إن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خلال السنوات القليلة الماضية كانت الأكثر تأثيرا – من وجهة نظره- في الدفع بالجنوبيين لتبني المطالبة بالانفصال.

عا - مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
