القاهرة / الأناضول / إيمان عبد المنعم - قال الخبير السياسي والأكاديمي التركي محمد زاهد غول إن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للولايات المتحدة كشفت عن تحوّل في العلاقات التركية الأمريكية من علاقة تبعية إلى شراكة استراتيجية بعدما أصبحت أنقرة لاعبًا أساسيًّا في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف، في حوار مطول مع مراسلة وكالة الأناضول للأنباء، خلال زيارته للقاهرة، أن التوافق الأمريكي مع الموقف التركي تجاه الأزمة السورية جاء متأخرًا.
وأوضح الخبير السياسي والأكاديمي التركي البارز أن الدول المعنية بالأزمة السورية وكذلك الدول الغربية إذا قدمت ضمانات لروسيا لمصالحها في المنطقة فسوف تتخلى عن رئيس النظام السوري بشار الأسد.
وأشار زاهد إلى أن هناك العديد من الصيغ المطروحة للمرحلة الانتقالية في سوريا، وأن تركيا لن تقبل ببقاء الأسد كجزء من تلك المرحلة، لافتا إلى أنه "لا يمكن الحديث عن التوقيت الزمني لرحيل الأسد".
وعن الدور التركي في المنطقة، قال "إن مشروع تركيا في منطقة الشرق الأوسط يقوم على قواعد اجتماعية وثقافية أكثر منها سياسيًّا"، مشيرًا إلى تنامي دور تركيا في منطقة الشرق الأوسط من خلال قيامها بأدوار محورية في عدد من القضايا ومنها الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك الصراع داخل لبنان عقب مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005.
وتحدث زاهد عن أوجه الخلاف بين حزب العدالة والتنمية التركي والأحزاب الإسلامية في دول الربيع العربي، قائلا إن "أردوغان يعلي من قيمة الإرادة الشعبية ولا ينتظر إلى الاجتهادات الفقهية لكنه لا يخالف ثابتًا من ثوابت الدين الإسلامي بينما لاتزال الأحزاب الإسلامية تتعامل بمنطق الجماعات الدعوية لا السياسية".
وفيما يلي نص الحوار:
*في البداية، كيف ترى زيارة رئيس الوزراء التركي لأمريكا في هذا التوقيت تحديدًا؟
رئيس الوزراء التركي زار الولايات المتحدة خلال فترة ولايته 14 مرة ولكن هذه الزيارة تحمل خصوصية، فالعلاقات التركية الأمريكية أصبحت في مرحلة جيدة جدًا ووصلت لمرتبة عالية في ظل ما تشهده المنطقة من ديناميكيات متحركة، وتركيا لها دور كبير في المنطقة لا يتنازع فيه اثنان، بينما أصبح الدور الأمريكي يتقلص بعد الربيع العربي.
وأستطيع القول بأن أمريكا تبحث عن شركاء حقيقيين في المنطقة وليس دولاً تحت هيمنتها وسيطرتها كما كان في السابق، فتركيا اليوم أصبحت ثاني أكبر قوية عسكريًّا في دول حلف شمال الأطلسي، وأصبحت دولة محورية في المنطقة وتلعب دورًا رئيسيًّا في عدد من الملفات ولذلك باتت الولايات المتحدة تعتبرها شريكًا استراتيجيًا لها في المنطقة وليس حليفًا كما كان الوضع في السابق.
*هل وجدت تركيا الفرصة في الربيع العربي حتي يتنامى دورها في المنطقة؟
الأمر بدأ قبل ثورات الربيع العربي ولكنه تنامي معها، والأمر يعود إلى عام 2005، فتركيا لعبت دورًا جوهريًا في السلام السوري الإسرائيلي، واستطاعت أن تصل للنتيجة المرجوة لكن جاءت حرب الفرقان عام 2008 (عملية الرصاص المصبوب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة) لتقضي علي جهود 6 شهور ولولا الحرب لعادت الجولان إلي سوريا ولأبرم اتفاق سوري إسرائيلي.
وفي العام ذاته، لعبت دورًا محوريًّا في انتخاب ميشيل سليمان رئيسًا للبنان واتفاق الدوحة 2008 (بين الفصائل اللبنانية)، وقام وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو بزيارة لبنان ما يقرب من 30 مرة خلال تلك الفترة، كما لعبت دورًا حقيقيًّا وحيويًا لإخراج سوريا من عزلتها الدولية بعد مقتل رفيق الحريري وكان هناك تطبيع للعلاقات التركية السورية.
*تتحدث عن علاقات تطبيع سورية تركية، فلماذا إذن انحازت الإدارة التركية للثورة بهذا الشكل السريع؟
ما كان ينتظر من بشار الأسد هو نزع سلطة الخوف والاستبداد الذي زرعه والده، وفي هذا السياق كانت تركيا تنظر لبشار بأمل كبير، وأن عملية الانتقال الديمقراطي ستكون على مراحل على غرار ملك المغرب الذي ورث هو الآخر تركة ثقيلة من أبيه لكن المشهد العام الآن في المغرب يحمل نظرة إيجابية تجاه مع يجري من الديمقراطية والتنفس السياسي.
والشعب السوري لم يكن يتمنى من بشار الأسد سوى تحقيق الخطاب الأول الذي ألقاه أمام مجلس النواب والمعروف بخطاب القسم عقب توليه الحكم خلفًا لوالده (عام 2000)، والشعب لم يطمح في ثورته إلى أكثر من هذا الخطاب إلا أن بشار مع بداية الثورة تعامل بمنطق والده بل وأشد فقتل الأطفال والنساء.
*في ظل رغبة الشعب السوري التخلص من نظام بشار، ما هي الأسماء التي تطرحها تركيا كممثلين للنظام السوري في مؤتمر جنيف؟
تركيا لم تطرح حتي الآن سوى شخصية فاروق الشرع (نائب رئيس النظام) تحديدًا وطرح هذا الاسم في إطار توافق مع روسيا وعدد من الدول، والأسماء التي ستطرح يجب أن تأتي بتزكية من الدول المعنية بالأزمة السورية والمعارضة، وتركيا لن تزكّي اسمًا لن يرضى به الشعب السوري.
*لكن تركيا تتبنّي قوى المعارضة ولها دور في إقناعها بأشخاص بعينهم؟
تركيا تتبنّي قوى المعارضة لكنها لا تتدخل في صناعة القرار السياسي، ولكن هناك دولاً أخري تتدخل بشكل أو بآخر في صناعة القرار لدى المعارضة لكن تركيا لا تفعل ذلك، ولا يوجد أي قرار اتخذته المعارضة تدخل فيها تركيا؛ لأن المعارضة مهما كان قرارها لا شك بشكل أو بآخر سيكون في مصلحة تركيا، وبالتأكيد سيكون شخصًا يود تركيا، ولكن بعض الدول العربية والغربية تعتبر جزءًا من مشكلة المعارضة السورية، وتركيا تتعاطي مع جميع المعارضة دون إقصاء لأحد، الانتقائية في التعامل حدث من قبل بعض الدول وهذه الانتقائية أضرت بصورة المعارضة في الداخل والخارج، مما جعلها تظهر في المشهد السياسي بصورة غير متوازنة.
*هل لا تزال ورقة فاروق الشرع مطروحة؟
هناك العديد من الأسماء، المهم أن يتفق المجتمع الدولي على صيغة معينة، والأمر تجاوز القبول باسم أو آخر، والهدف الآن الرئيسي هو أن يتم تحديد موعد زمني لزوال بشار الأسد من السلطة؛ لأنه لم يعد يستهدف الشعب السوري فقط بعمليات الإبادة الجماعية ولكن بدأ هجومه يتعدى إلى دول الجوار سواء في الأردن أو لبنان أو تركيا.
*مع إعلان كل من الرئيس الأمريكي باراك أوباما وأردوغان ضرورة رحيل الأسد، هل تتوقع إجراءات أسرع لمجلس الأمن؟
التصريح الأمريكي كان يود الأتراك أن يسمعوه قبل عام، ولكن المعني الآن روسيا، ونسعى لأن يكون هناك تطابق بين الرؤية الروسية والأمريكية ، فروسيا لا تحرص على بقاء الأسد ولكن لها مصالح في سوريا والمنطقة، ولو قدّم لها ضمانات بشكل أو بآخر ستغير موقفها، وتلك الضمانات لا تملك المعارضة أن تمنحها إياها.
فروسيا تريد أن يكون لها دور في المعارضة السورية وهو ما سيتم من خلال توسعة الائتلاف ودخول بعض الشخصيات المقرّبة والمحسوبة على روسيا، فالغرب هو الذي يستطيع تعويض روسيا وهو ما تعمل عليه أمريكا وتركيا، وهناك توجّه جديد في العلاقات التركية الروسية من أجل إنهاء ملف الصراع في سوريا .
*هل يعني ذلك أن زيادة الاتفاقات التركية مع روسيا وزيارة الرئيس المصري لروسيا قبل أسابيع تهدف لتقديم تلك الضمانات؟
هناك مساعٍ لذلك من كافة الأطراف المعنية بالأزمة السورية، فروسيا أكبر شريك تجاري لتركيا بعد الاتحاد الأوروبي، فحجم التبادل يصل لأكثر من 40 مليارًا، والجميع يحمل رسالة الآن لروسيا أن استمرار الدمار يدمّر سوريا وبشار يسعى لتصدير الأزمة، وإذا استمرت الأزمة ستظهر تداعياته في لبنان وهو الأمر الذي لن يتقبله المجتمع الدولي، وكذلك سيظهر في فلسطين.
*هل يمكن أن تقبل تركيا ببقاء جزئي لبشار الأسد خلال المرحلة الانتقالية؟
هناك صيغ متعددة حول المرحلة الانتقالية، يتحدث بعضها عن التوقيت الزمني لرحيل الأسد وإن كنا نتحدث عن فترة زمنية فيجب أن تكون محددة وواضحة المعالم ولن يقبل انتقال تدريجي للسلطة، ولكن خلال مباحثات الفترة الانتقالية يجب أن يرحل بشار من الحكم أو ترك سوريا، لكن البعض يدعو لنزع الصلاحيات من بشار ومنحها للحكومة الانتقالية، وهذا أمر لا يقبل به لأن من يعرف النظام الديكتاتوري الموجود في سوريا لا يمكن أن يتصوّر نزع الصلاحية من بشار ومنحها لآخر.
*البعض يصف الربيع العربي بأنه ترجمة لمشروع الشرق الأوسط الجديد، فهل تتفق مع هذا التوصيف؟
الربيع العربي جاء للتعبير عن إرادة الشعوب وطموحاتها، والحديث عن تبعيته لأمريكا يعد من الانهزامية الفكرية ولكن المشكلة أن دول الربيع العربي لم تستطع حتي هذه اللحظة تقديم رؤية جديدة، والمطلوب الآن من دول الربيع العربي أن تقدم مشروعًا بديلاً مثل مشروع الوحدة أو الشراكة الحقيقة بشكل أشبه بالاتحاد الأوروبي للخروج من الهيمنة وإصلاح الخلل.
* مشروع الوحدة، هل هو القاعدة التي ينطلق منها المشروع التركي في المنطقة ؟
الشراكة الحقيقية بين الشعوب والتواصل الاجتماعي والثقافي هو مشروع تركيا البعيد كل البعد عن الإطار السياسي، والسياسة لا يمكن أن تفرّق بين هذه الأمور.. فما بالك لو أخذناه في إطار الإخوة الإيمانية ومفهوم الأمة الإسلامية من جهة وليس الخلافة.
*ما الذي يحرّك قيادات الحركات الإسلامية التي وصلت للحكم بعد الربيع العربي الفتوى أم التقوي؟
هناك فرق بين الأحزاب الإسلامية في الدول العربية وبين تركيا، فالإسلاميين في تركيا لا تتجاوز كتلتهم التصويتية الـ15٪.
ويمكن القول بأن قيادة العدالة والتنمية ذات خلفيات إسلامية ولكن هذا لا يعني أن هؤلاء الناس يحكمون البلاد بمنطق إسلامي، فاستطلاعات الرأي تقول إن أردوغان إذا ترشّح في الانتخابات الرئاسية سيحصل على 58%.
60-65 % من الشعب التركي مسلم محافظ لكن لا يؤمن بأي مشروع سياسي، وهؤلاء عندما يقومون بالتصويت للعدالة والتنمية لا ينتخبونه على أساس ديني أو أن أردوغان يصلي وزوجته محجبة، وإنما يتم الانتخاب؛ لأنه يحقق لهم ما يرفع مستوى الرفاهية والتنمية وقد لمس الجميع في تركيا تغيّرًا ملموسًا.
و36-37% من أصوات حزب العدالة والتنمية من خارج إطار الإسلاميين، هذا يعني أن خطاب أردوغان موجّه للرأي العام من منطلق المصلحة الوطنية.
فأردوغان ربما يكون إسلاميًّا في ذاته إلا أن خطابه السياسي يشمل كل تركيا وكل أطيافها، لكن نجد أن الإخوان في مصر هم من أتوا بالرئيس المصري إلي السلطة وهكذا فعل حزب النهضة في تونس، وهو ما ينطبق على حزب الإصلاح في اليمن، وهذا هو الفرق الجوهري.
*معني حديثك أن الأحزاب الإسلامية في الدول العربي تعتمد في تحركاتها على الفتاوي الدينية مما يجعلها أقرب للنظام الملالي؟
بشكل عام لا نستطيع أن نقول إنهم أقرب لنظام إيران ولكن مازالت الأحزاب الإسلامية تفتقر إلي شيئين، الوعي السياسي، كما تفتقر إلي الإدارة، ولم تستطع أن تتحول حتى هذه اللحظة إلي مؤسسات وقوة تنظيمية فاعلة، وجزء من الأحزاب الإسلامية تدار بمنطق الجماعة والديوانية، ولا يوجد هناك هيكلة ولا برتوكول لذلك، فهي مازالت أقرب للجماعات الدعوية من العمل السياسي البحت، ولابد أن تبلور الوعي السياسي من خلال مؤسسات عاملة على الأرض.
*أردوغان شخصية سياسية محافظة وقيادات الربيع العربي تحمل نفس التوصيف، فما الفرق بينهما؟
ربما يحافظ علي دينه على الصعيد الشخصي في موضوع العبادات وممارسات وتطبيق التعليم الإسلامي في الحياة.. ولكن أظن أن هناك فرقًا في الحقيقة.. أردوغان ومن معه أناس مؤمنون محافظون ويحاولون تطبيق التعاليم الإسلامية في الحياة اليومية لكن الخطاب السياسي هو الجوهر وهو الفرق الحقيقي، بمعنى أن الخطاب السياسي في حزب العدالة والتنمية يقوم على ما يريده الشعب ولا يقوم على خلفيته العقائدية والأيدلوجية ولا بناء على الخلفية الفكرية التي ينتمي إليها.
حزب العدالة والتنمية أصبح لصيقًا بشكل يومي مع المواطن في الشارع سواء من خلال العمل في البلديات أو من خلال مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني.. نبض الشارع تحديدًا هو الأساس الذي يتحكم في سياسة أردوغان
أردوغان يمتلك كامل الجرأة للاعتذار إن لزم وللتراجع عن أي قرار ما دامت هناك مصلحة وطنية، ولا ينظر إلى ما يجب أن يكون بحسب المصلحة العقائدية، بقدر ماذا يريد الشعب في هذه الجزئية ويحاول أن يسير بإرادة الشعب.
هل سيرافق الرئيس المصري أردوغان خلال زيارته لقطاع غزة ؟
أتوقع ذلك
news_share_descriptionsubscription_contact
