"الخط الأصفر".. حيث تربص الرصاص الإسرائيلي ببسمة وغيرها (تقرير)
على مائدة إفطار رمضان، تفتقد الطفلة سارة ورش أغا وإخوتها أيمن ونافذ وإبراهيم، والدتهم التي أصابتها رصاصة إسرائيلية أودت بحياتها شمالي قطاع غزة، وحرمتهم منها إلى الأبد.
Gazze
غزة / رمزي محمود / الأناضول
- بسمة بنات خرجت من منزلها في بيت لاهيا بقطاع غزة، لتفاجأ برصاصة إسرائيلية أنهت حياتها ويتّمت أطفالها- مواقع للجيش الإسرائيلي على تلال محاذية لـ"الخط الأصفر" تمثل كابوساً للفلسطينيين، وترصد حركاتهم وسكونهم
- 96 فلسطينيا قتلوا و326 أصيبوا برصاص الدبابات والقناصة ومسيرات إسرائيلية منذ وقف إطلاق النار
- فلسطينيون: نعيش واقعاً مُرعباً جراء إطلاق النار الكثيف والقصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف المستمرة
- المكتب الإعلامي بغزة: ما يجري نمط متكرر من القتل المتعمد والمدروس، يعكس نية مبيتة لاستهداف المدنيين
على مائدة إفطار رمضان، تفتقد الطفلة سارة ورش أغا وإخوتها أيمن ونافذ وإبراهيم، والدتهم التي أصابتها رصاصة إسرائيلية أودت بحياتها شمالي قطاع غزة، وحرمتهم منها إلى الأبد.
كعادتها، خرجت بسمة بنات (ورش أغا) (28 عاما) صباح الأحد إلى عملها ولم تعلم أنها لن تعود إلى زوجها وأطفالها، فأصوات الرصاص الذي تسمعه يوميا من الآليات الإسرائيلية المتركزة شرق بلدة بيت لاهيا، نال منها هذه المرة، واخترق أسفل ظهرها.
في "مستشفى الشفاء" بمدينة غزة، رقدت السيدة الفلسطينية مصابة بجروح خطيرة لساعات قبل أن يعلن عن وفاتها، وتعم الفاجعة على ذويها المنتظرين أمام المستشفى.
مراسل الأناضول واكب تشييع الجثمان إلى مقبرة بيت لاهيا، ووثق لحظات الحزن والحسرة حين ألقى ذووها نظرة الوداع عليها، قبل دفنها تحت نظر آليات الجيش الإسرائيلي وقناصته.
هذه المشاهد باتت جزءا من حياة الفلسطينيين اليومية، إذ تستقبل المستشفيات ضحايا ومصابين جراء إطلاق نار إسرائيلي تجاه الذين يعيشون على أنقاض منازلهم المدمرة أو في الخيام، بالمناطق القريبة من نقاط تمركز الجيش.
** واقع مرعب
يقول المقيمون بتلك المناطق إنهم يعيشون واقعاً مرعباً وخطيراً جراء إطلاق النار الكثيف من المواقع الإسرائيلية المستحدثة وراء ما يسمى بـ "الخط الأصفر"، فضلاً عن القصف المدفعي وعمليات النسف والقصف الجوي.
و"الخط الأصفر"؛ خط وهمي وضع مؤقتا بموجب اتفاق وقف النار، ويفصل بين مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي التي تبلغ نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع شرقا، والمناطق المسموح للفلسطينيين بالتحرك فيها غربا.
ووثق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة مقتل 96 فلسطينياً بالقنص المباشر بالرصاص الإسرائيلي منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بينهم 36 من النساء والأطفال والمسنين، وإصابة 326 آخرين.
كما تواصل إسرائيل خروقاتها وانتهاكاتها اليومية للاتفاق، حيث قتلت 615 فلسطينياً وأصابت 1651 آخرين، وفق بيانات وزارة الصحة.
وكان المفترض أن ينهي الاتفاق إبادة جماعية إسرائيلية استمرت عامين، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل وأكثر من 171 ألف مصاب، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
** لحظات مؤثرة
في منزلها المتصدع من القصف الإسرائيلي في بلدة بيت لاهيا، ودعت العائلة فقيدتها بسمة وسط أجواء مؤثرة من البكاء والنحيب.
وأمام الجثمان، لم تتمالك سمر بنات والدة الفقيدة نفسها وهي تحمل أطفالها وتجهش بالبكاء، وتقول إن ابنتها كانت ذاهبة إلى عملها في مركز تعليمي وبصحبتها أطفالها، لتفاجأ بطلقة إسرائيلية أنهت حياتها.
تصرخ السيدة وسط الحضور بعبارات حزينة، وتقول: "استشهدت بسمة.. يا حبيبتي يا ابنتي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، اللهم صبرني على فراقها.. حسبي الله ونعم الوكيل".
وعن تفاصيل الحادثة، يروي أحمد بنات شقيق الفقيدة تفاصيل مقتلها، قائلاً: "كانت ذاهبة إلى عملها، وكنا متواجدين قرب ميدان بيت لاهيا حين وقع إطلاق نار مكثف من الآليات الإسرائيلية صباحاً".
ويضيف للأناضول: "تفاجأت بعدها بأولاد بسمة الذين هرعوا يصرخون قائلين: أُمّنا استشهدت، فتوجهت على الفور لمكان تواجدها لأراها ممددة على الأرض".
ويشير إلى أنه تمكن بصعوبة من انتشال جثمان شقيقته بمساعدة عدد من الأهالي، ونقلها إلى المستشفى التي فارقت فيه الحياة.
** كذبة "المنطقة الآمنة"
وبشأن الانتهاكات الإسرائيلية يقول بنات: "المنطقة الآمنة كذبة كبرى، لا يوجد مكان آمن، نتعرض لإطلاق النار والقذائف صباح مساء، فحياتنا باتت بلا معنى".
ويتابع: "نريد حلاً لهذا الواقع المأساوي، يكفينا ما جرى لنا خلال عامي الحرب".
أما زوج الفقيدة موسى ورش أغا، فوقف حائراً بين أطفاله الأربعة حاملاً أصغرهم إبراهيم (يبلغ شهوراً) الذي غلبه النوم دون أن يدري أنه لن يرى أمه بعد اليوم.
يقول موسى إنه ما زال مصدوما، ولا يدري ماذا سيفعل وصغاره من بعد زوجته، مضيفاً بصوت حزين: "لمن أشتكي حالي؟! بماذا أجيب أطفالي حينما يسألونني كل يوم أين أمنا؟".
ويشير إلى أن منطقة سكنهم تتعرض يومياً لإطلاق نار كثيف من الآليات والقناصة الإسرائيليين، وقذائف المدفعية التي لا تنقطع، رغم أن المنطقة مصنفة "آمنة" بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وخارج نطاق سيطرة الجيش.
** مصادر إطلاق النار
ويرصد مراسل الأناضول مصادر إطلاق النار التي تفتك بالفلسطينيين في المناطق المحاذية لـ "الخط الأصفر" على امتداد حدود قطاع غزة.
وتُظهر مشاهد مصورة، مواقع عسكرية أقامها الجيش الإسرائيلي مؤخراً فوق كثبان رملية مرتفعة تُطل على الأحياء السكنية الفلسطينية، ما يجعلها عرضة للمراقبة وإطلاق النار.
وتضم تلك المواقع نقاط تموضع للآليات الإسرائيلية والجنود القناصة الذين يراقبون بأحدث المعدات العسكرية حركات الفلسطينيين، ويطلقون النار تجاه ما تبقى من المنازل والخيام.
وينصب الجيش الإسرائيلي في عدد من المناطق رافعات حديدية مثبت فوقها رشاشات آلية تطلق النار باستمرار.
ولا تكاد الحوامات الإسرائيلية المسماة في غزة بـ "كواد كابتر" تغادر السماء، ويقول شهود إنها لا تفتأ تطلق نيرانها وتلقي قنابل حارقة تجاه المواطنين ومنازلهم.
في الأثناء، تواصل آليات ثقيلة وحفارات أعمال تسوية في المواقع المقامة، لتعزيز التواجد العسكري الإسرائيلي فيها.
** هندسة المشهد بالقوة
وتمثل تلك الإجراءات "شاهداً دامغاً على تعمد إسرائيل إدارة النار لا وقفها، واستخدام اتفاق وقف إطلاق النار كغطاء لإعادة هندسة المشهد الميداني بالقوة"، بحسب مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة.
ويتهم الثوابتة إسرائيل بـ "العمل لفرض واقع ميداني جديد بالقوة العسكرية، وتقويض أي استقرار نسبي يمكن أن ينشأ عن اتفاق وقف إطلاق النار".
ويضيف للأناضول أن الخروقات الإسرائيلية "تعد استخفافاً واضحاً بالالتزامات المعلنة وبالجهود الإقليمية والدولية التي أفضت إلى توقيع اتفاق".
ويشير الثوابتة إلى أن 96 فلسطينياً من أصل 615 قتلوا على يد جيش إسرائيل منذ سريان الاتفاق، سقطوا بإطلاق نار مباشر من الدبابات والطائرات المسيرة، ومن القناصة المنتشرين على "الخط الأصفر" وبمحاذاته.
في حين بلغ إجمالي المصابين بتلك النيران 326 فلسطينيا، من إجمالي 1651 أصيبوا خلال 134 يوماً من وقف إطلاق النار، بحسب الثوابتة.
يوضح أن "أكثر من 99 بالمئة من الشهداء ارتقوا في مناطق يُفترض أنها آمنة، وخارج التصنيفات التي أعلن عنها الاحتلال كمناطق عازلة".
** نمط قتل متعمد
ويعتبر الثوابتة أن ما يجري "ليس حوادث متفرقة أو أخطاء ميدانية، وإنما نمط متكرر من القتل المتعمد والمدروس، يعكس نية مبيتة لاستهداف المدنيين، وفرض معادلة نار مستمرة رغم إعلان التهدئة".
ويطالب بعدم ترك "الشعب الفلسطيني الأعزل فريسة لسياسة القتل الممنهج"، مشدداً على أن "هذه الجرائم ستبقى موثقة ومسجلة في كافة المسارات القانونية والسياسية".
كما يناشد "بتحرك عاجل لإلزام إسرائيل بوقف كامل لكل أشكال الاستهداف، وإيجاد آلية رقابة ميدانية واضحة، مع تفعيل مسارات المساءلة القانونية بحق المسؤولين عن هذه الجرائم".
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
