رام الله/عوض الرجوب/الأناضول
بين السياسة وشؤون المجتمع والترفيه، تنوعت استخدامات "مقهى بدران" على مدى أكثر من 15 عقدا، لكنها اليوم تكاد تلفظ أنفاسها نتيجة المشاريع الاستيطانية في قلب مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية.
يضفي وجود كبار السن في المقهى، بالزي الفلسطيني التقليدي، رونقا خاصا على المكان، وباستحضار ذكرياتهم يشعر الزائر بقيمتها وأهميتها التاريخية.
وبناء المقهى مملوكي (1250-1517م)، لا تزيد مساحته على 50 مترا مربعا، ذو باب واحد يؤدي إلى سوق القزازين (بائعي الزجاج)، أما سقفه من الداخل فحجارة بارزة جرت صيانتها، مؤخرا من قبل لجنة إعمار الخليل (حكومية).
وكما البناء المعماري المملوكي، تُميّز الأقواس بناء المقهى، وتعلوها مساكن فلسطينية لا تقل قيمة تاريخية عن القهوة، وإن كانت أحدث بناء.
يحافظ المقهى على طاولات قديمة، وكراس ذات أرجل خشبية، تصل بين بينها خيوط بلاستيكية، يعود عمر بعضها لستين عاما.
قهوة تقليدية
في صدر المقهى يقف محمد التلبيشي (66 عاما) خلف طاولته يلبي طلبات الزبائن.
يغلب على رواد المقهى كبار السن ومتقاعدون يحضرون للعب الورق وقضاء الوقت، حتى حلول أذان الظهر لأداء الصلاة في المسجد الإبراهيمي على بعد مئات الأمتار.
بضاعة المقهى قليل من الأرجيلة، إضافة إلى الشاي والقهوة ويقدمان في كاسات شفافة تقليدية: صغيرة للقهوة، وأكبر قليلا للشاي مع النعنع.
على طريقته المشابهة للشاي التركي، يضع التلبيشي السكر، ويصب عليه قليلا من الشاي المغلي، ثم يضيف إليه الماء الساخن.
بمحاذاة المقهى يقع مسجد القزازين، ومؤرخ على لافتته السنة الهجرية 1040، لكن تقديرات باحثين تشير إلى أن بناء المقهى والمسجد قبل ذلك بكثير.
وكما باقي المباني من حولها، تميز الأقواس المقهى، وتحيطه القباب والقناطر (جسور مقوّسة).
لا يُعرف بالتحديد الوقت الذي استخدم فيه المكان مقهى، لكن محمد التلبيشي الذي يدير المكان منذ نحو 23 عاما ينقل عن أسلافه وزبائنه الذين يرتادون المقهى أنه كذلك منذ نحو 150 إلى 200 عام.
شخصيات بارزة
اليوم يفتقد التلبيشي عشرات الزبائن الذين فارقوا الحياة وكانوا من رواد المقهى.
ويقول إن من زواره سابقا كان ملك الأردن الراحل عبد الله الحسين (1882-1951)، والقيادي الفلسطيني الحاج أمين الحسيني (1895-1975).
ويقول إن المكان استخدم مجلسا لاجتماع سكان الخليل وكانوا قلة "أهالي الحي والجيران كانوا يجتمعون لمرض أحدهم أو عطوة (تقليد لحل الخلافات)، فرح وغيره" حسب التلبيشي.
ومر التلبيشي بظروف صعبة وقاسية حين اضطر لإغلاقه نحو عام ونصف نتيجة المضايقات الإسرائيلية بعد عام 2000، ومنها اقتحام المقهى وتوقيف الزبائن بمن فيهم المسنين والتدقيق في هوياتهم وإخراجهم منه.
ويضيف أن عدد زبائنه قليل، ويعزو ذلك إلى القيود الإسرائيلية التي تحد من وصول الفلسطينيين إلى المنطقة المحاطة بالنقاط العسكرية والبؤر الاستيطانية.
لا يتجاوز دخل التلبيشي من القهوة حاجز ال6 دولارات في بعض الأيام، لكنه يعتبر وجوده ركيزة لحماية المنطقة من أطماع الاحتلال وخططه التهويدية.
وساهمت الإجراءات المرافقة لانتشار جائحة كورونا منذ مارس/آذار 2020 في غياب السياح الأجانب، الذين كانوا يستمتعون بالجلوس في المقهى.
المقهى لحل المشاكل
بجوار المقهى يملك الثمانيني عمران مَرَقة محلا لبيع المطرزات والأثواب التقليدية، وعاصَر المقهى منذ ترك المدرسة، واتجه إلى التجارة مع والده عام 1950.
يقول مرقة إن عمر المقهى بين 150 و200 عام، وتَغيّر أصحابها منذ استخدمت مقهى، وكان يملكها منير بدران، من سكان الخليل حتى ما قبل النكبة (1948).
يقول مرقة كان المقهى تجمع كبار السن ووجهاء الخليل للتداول حول مختلف المواضيع، إضافة إلى العاملين الذين يتطلب عملهم الوصول إلى تلك المنطقة لغرض جباية الديون أو غيره.
ويتابع: "كانت تجمع الختيارية (كبار السن) يحُطّوا (يضعون) كراسي ويقعدوا، (وأيضا) تاعون (موظفو) تحصيل الأموال للبلدية والحكومة".
لم يكن المقهى مكانا لتحصيل الديون فقط، حسب مرقة، وإنما مكانا تجتمع فيه كبار شخصيات المدينة لحل مشاكلها "إذا صار شيء كانوا ييجيوا (يحضرون) ويمشون في مشاكل البلد، كانت تنحل على القهوة (...) وليس للعِب الورق أو تضيع الوقت، كما هو الحال اليوم.
وأشار إلى أن المقهى كان يستقبل الضيوف من مسؤولين وسياح وزوار وتجار وغيرهم.
ندوة وصفقات تجارية
وتقول لجنة إعمار الخليل (حكومية) في منشوراتها إن المقهى "من أقدم المواقع التاريخية في البلدة القديمة".
وتضيف أنه ليس "مكاناً مقتصراً على جلوس الرجال فيه لشرب القهوة والشاي والتسلية، وإنما كان دار ندوة لكبار السن ولزعماء العائلات من مدينة الخليل وكل قراها وعشائرها".
وكان المقهى –وفق اللجنة- يشهد عقد الصفقات التجارية وتتداول فيه أخبار السياسة، فيستمع رواده للمذياع ويتناقشون ويحللون فيما يدور حولهم من أمور سياسية.
كما كان المقهى دار فكر ثقافية تقام فيه أمسيات شعرية ونثرية ومسرحاً للحكواتي، وفق اللجنة.
وبحسب اتفاق الخليل عام 1997، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، قُسمت مدينة الخليل إلى منطقتين، الأولى "خ1" وتخضع لسيطرة فلسطينية، والثانية "خ2" وتخضع لسيطرة إسرائيلية، وتُقدر الأخيرة بنحو 20 بالمئة من مساحة المدينة، وتقع فيها البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي.
وفي يوليو/تموز 2017، قررت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة "يونسكو" إدراج البلدة القديمة في الخليل، إضافة إلى المسجد الإبراهيمي على لائحة التراث العالمي.
ووفق معطيات تجمع "شباب ضد الاستيطان" غير الحكومي تنشر إسرائيل مئات الجنود أكثر من 120 حاجزا عسكريا ملموسا أو مأهولا في البلدة القديمة.
ووفق ذات المصدر يوفر جيش الاحتلال كل سبل الراحة لنحو 800 مستوطن في 5 بؤر استيطانية في البلدة القديمة، ويغلق نحو 1800 محل تجاري فلسطيني.
news_share_descriptionsubscription_contact
