ياقوت دندشي/ الأناضول
التكاليف الباهظة للسفر والحجوزات الفندقية وبُعد البلدان المنظمة، انعكس إحجامًا لدى العرب عن حضور كأس العالم من أرض الملاعب.قبل عقد من الزمن، شكّل حضور مباريات كأس العالم لكرة القدم من مدرجات الملعب، حلم الطفولة لعشاق المستديرة في العالم العربي.
فالتكاليف الباهظة للسفر والحجوزات الفندقية، فضلاً عن بُعد البلدان التي عادةً ما تفوز بتنظيم البطولة، انعكس تردّدًا بخوض هذه التجربة وصولاً إلى الإحجام عنها من قِبل السواد الأعظم من الجمهور العربي.
ولسنوات طويلة، كان احتمال استضافة تنظيم نسخة من المونديال في بلد عربي كان ضرباً من الخيال، لكن قطر فازت بهذا التحدي، وعملت على مدى 12 عاما على التحضير لنسخة استثنائية من المونديال الذي انتظره مئات الملايين من عشاق كرة القدم حول العالم.
التجربة القطرية لم تقتصر تجلياتها بالحضور وحسب بل تخطتها لتمنح شريحة واسعة من الشبان العرب خبرة استثنائية بالعمل مباشرة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، أهم جهة رياضية دولية تعنى بشؤون كرة القدم والمونديال.
هذه التجربة الاستثنائية تحدّث عنها بشغف الإعلامي الفلسطيني أحمد ليلى، أحد المسؤولين عن فريق العمليات الإعلامية في استاد "البيت"، في إطار برنامج المتطوعين مع "الفيفا" خلال المونديال.
وقال: "المونديال كان حلم طفولة للكثير من الشبّان الذين يعشقون كرة القدم في العالم العربي (..) بالنسبة لهم حضور مباراة ومشاهدة لاعبين عظماء دوليين من أرض الملعب كان بمثابة حلم".
وأضاف: "لكن قطر من خلال استضافتها لكأس العالم وتسهيلها دخول المشجعين من كافة الدول العربية والعالم، حوّلت الحلم إلى حقيقة".
ولا يتحدث ليلى فقط عن الحضور بصفة مشجعين فحسب، بل يلفت إلى المنخرطين ضمن أعمال المونديال، سواء كموظفين لدى جهات عدة، أو كمتطوعين لصالح الفيفا.
وأردف: "حتى المتطوّعون الذين قدّموا ملفاتهم للمشاركة ومساعدة قطر على إنجاح هذه البطولة (..) كان لقطر الفضل في أن يتمكنوا من حضورها، فضلاً عن التسهيلات الخاصة بأماكن سكن خاصة قُدّمت لهم".
وتابع: "بالنسبة لهذه الفئة، ولي شخصياً، حيث كانت لي تجربة أولى بكأس العرب السنة الماضية، وهي أول تجربة احترافية لي بمجال كرة القدم مع الفيفا، وبمثابة تحضير لكأس العالم، شعرت يومها بسعادة لا توصف، واليوم أكرر التجربة مع فارق أن الأجواء التي نعيشها اليوم في قطر رائعة جداً".
مشاهدات خاصة تميّزت بها هذه النسخة من المونديال، يقول ليلى إنها لفتته بحكم قربه من المشجعين في الكواليس وعلى المدرجات.
ولمعرفة الاختلاف بين التجارب السابقة ومونديال قطر، ذكر أنه تعمّد "التواصل مع أشخاص حضروا كأس العالم في البرازيل (2014) أو روسيا (2018)".
وأكثر ما اتفق عليه هؤلاء المشجعين هو أن "هذه أول مرة يقابلون فيها أعدادًا كبيرة من الناس من جنسيات مختلفة في بقعة صغيرة جدًا".
ففي السابق، كان المشجعون يتركّزون بالقرب من المدن التي تقيم فيها منتخباتهم، لكن هذه المرة الجميع موجودون في قطر، لأن الملاعب قريبة من بعضها"، بحسب ما ينقل عنهم ليلى.
استضافة قطر ستؤثر في إقدام الشبان على التخطيط لحضور المونديال في نسخه المستقبلية أينما كانت، هكذا يتوقع ليلى، "ففي السابق، كنا نخاف شراء بطاقات حضور المباريات وحجر فنادق، أما اليوم، الشبّان العرب أصبحوا يفهمون الطريقة الأمثل لحضور مباريات كأس العالم بأقل تكلفة ممكنة".
أما عن مشاركته المهنية في المونديال فقال: "بما أنني للمرة الثانية أكون أحد المسؤولين عن فريق العمليات الإعلامية في استاد "البيت"، هذه بالنسبة لي شهادة مهمة جداً أن أكون مع الفيفا وأحصل منها على شهادة خبرة بمجال الإعلام المتخصص بالمونديال".
وختم ليلى بالقول: "الآن يمكنني أن أشارك في أي مونديال، هذه الخبرة لم يكن ممكناً أن أحصل عليها لولا أن قطر سهلت ذلك لكل المهتمين بالتطوع أو حتى بالعمل مع الفيفا".
لأن المونديال يقام هذا العام في بلد قريب، انعكس ذلك بمضاعفة احتمال المشاركة بحضوره من قبل العرب.
وعن ذلك يقول الصحفي اللبناني ماهر الدنا: "قطر حققت أحلام الكثيرين باستضافة المونديال، فالعديد من الشبّان العرب ما كانوا ليتمكنوا من حضور حدث كرويّ عالمي بهذا الحجم لو لم تقم دولة قريبة باستضافته".
ويضيف في حديث للأناضول: "تمكن العرب ببضع مئات من الدولارات من الوصول إلى قطر، ومتابعة مباراة واحدة على الأقل إذا كان وضعهم لا يسمح بأكثر من ذلك، ليعودوا بعدها إلى بلادهم"
"الأهم من تحقيق الأحلام الفردية، هو أن هذا الأمر نقل الدول العربية والمنطقة إلى مكان آخر ووضعها على خارطة كرة القدم العالمية"، برأي الدنا الذي أوضح أن ذلك حصل "أولاً من خلال استضافة قطر لهذه البطولة، وثانيًا من خلال النتائج المشرّفة التي حقّقها المنتخبات العربية".
وتابع: "حجم النجاحات الكبيرة التي حققتها قطر باستضافتها للبطولة على صعيد المنشآت والتنظيم والإبهار البصريّ، لمسناه إنجازًا على الأرض، ولعلنا اليوم نعيش في أكثر بلد متطوّر في العالم خلال بطولة المونديال، أكثر بلد يستخدم التكنولوجيا، وأكثر بلد فيه إبهار".
ولم تغب عن حديث الدنا الحملات التي تعرّضت لها قطر وما تزال من جهات تعارض استضافتها للمونديال، حيث رأى أن "الهجوم الذي تشنّه أوروبا على قطر قد يكون مموّلًا من مصدر لا يزال مجهولًا".
وأردف: "فعلى صعيد منع الكحول في الملاعب، الأمر مطبّق في العديد من الملاعب الأوروبية، وعلى صعيد الحد من الشعارات الداعمة للمثليّة، فالكثير من العائلات الأوروبية التي لا تظهر في الإعلام، تسعى لإبعاد أبنائها عن الانجرار نحو الشذوذ".
وزاد: "ونتيجة تألقها وضعت قطر العرب وأبناء المنطقة على خارطة الأحداث العالمية، وما يحصل من هجمة ممنهجة عليها يؤكد أنها نجحت".
التجربة القطرية تخطت كرة القدم والرياضة وبطولة محدودة زمانياً ومكانياً، لتنبثق عنها أوجه عدة كل واحد منها يمثل نجاحاً آخر ومبعث فخر لقطر والعالم العربي.
يقول الدنا: "هناك فخر كبير يشعر به من يتنقّل بين الملاعب الضخمة، التي سيتم تفكيك بعضها ومنحه للدول النامية، ما يعكس أمرًا إنسانيًا أبعد من كرة القدم".
وتابع: "فرص العمل التي توفّرت لمئات الآلاف نتيجة الحدث العالمي، إضافة لإعطاء فرصة للشباب العربي لمتابعة المونديال من الملاعب، هي أيضًا نجاحات حققتها قطر".
وفي خانة النجاحات المحرزة بعد تجربة المونديال، يذكر الدنا أن قطر "صعّبت الأمر على أي دولة ستستضيف البطولة في النسخ المقبلة، لأنّه لا يمكن لاستضافة مونديال أن تمرّ بصفر أخطاء".
واستطرد قائلا: "قطر استضافت المونديال بصفر أخطاء، من ألِفه إلى يائِه، وبالتالي إضافة للإبهار بالإنجازات الكبيرة التي تحققت، أصبح من شبه المستحيل أن تتمكن أي دولة من تكراره".
ولا ينسى الدنا عامل تقارب الملاعب وتأثيره على تميّز البطولة، وأفاد بأن "جميع المباريات تقام على بقع جغرافية متصلة وقريبة من بعضها البعض، فلا يحتاج المرء لأكثر من نصف ساعة في المترو للانتقال من ملعب إلى آخر ومتابعة مباراتين متتاليتين".
وفي هذا السياق، يشير إلى نسخ أخرى من المونديال "رأينا فيها أنّ المشجعين كانوا بحاجة لركوب الطائرات أو القطارات لمسافات بعيدة وطويلة".
وختم بالإشارة إلى أن "النسخة المقبلة ستكون في كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وبالتالي سيكون من شبه المستحيل أن يتابع المشجّع أكثر من مباراة أو اثنتين على الأكثر، الأمر الذي حدث فعلًا في قطر".
news_share_descriptionsubscription_contact
