جاكرتا / تشاندي فاسانداي / الأناضول
"إيكا"، فتاة إندونيسية تزوجت في الـ 14 من عمرها، لتجد نفسها اليوم وهي في سن الـ 18 أما لطفلين، في ظاهرة تعتبر رائجة إلى حد ما في المجتمع الإندونيسي رغم مساعي القضاء عليها.
** "الخوف من المحرمات"
مخاوف والديها من تورطها في علاقات "محرمة" كما تقول، دفعتهما إلى تزويجها وهي طفلة لم تتجاوز الـ 14 من عمرها.
إيكا التي لا تزال حتى اليوم بعد 4 سنوات من زواجها تحمل ملامح طفلة صغيرة، روت للأناضول تجربة الزواج المبكر التي عاشتها في قريتها "أنكولميكار" بإقليم جاوة الغربية في إندونيسيا.
قالت: "كان والديّ يخشيان علي أن أقع في علاقات محرمة، ولذلك كانا يبحثان عن وسيلة لتجنب ذلك".
تجربة مريرة على حد وصفها، تجزم أنها لن تسمح بأن تختبرها ابنتها: "لن أدع ابنتي الصغيرة تتزوج في مثل هذه السن المبكرة"، تضيف "أريدها أن تدرس، وتصبح عنصرا فاعلا في المجتمع".
ولفتت إلى أن "تزويج الفتيات القاصرات يحزنني ويشعرني بالألم، حيث إنه يقضي على مستقبلهن وأحلامهن".
ووفق بيانات شبه رسمية، فإن واحدة من كل سبع فتيات في إندونيسيا متزوجة قبل سن الـ 18، وهو الحد الأدنى لسن الزواج الموصى به من جانب منظمات حقوق الإنسان الدولية.
ويعد الفقر ونقص التعليم وإلى حد ما المعايير الثقافية، بعض العوامل التي تسهم في انتشار زواج القاصرات في إندونيسيا.
وبحسب دراسة أجرتها وكالة الإحصاءات الإندونيسية (حكومية)، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، فإن 30.5 % من فتيات جاوة الغربية تزوجن في سن الطفولة، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2015.
** اجتماع نسائي
تشارك إيكا، بمعية العشرات من النساء والفتيات، في تجمع نصف شهري تنظمه قاعة "بيل إستري" (تعني قاعة الزوجات) بإشراف معهد سابا، وهو عبارة عن منبر رسمي للتواصل والتعليم للمرأة، وتدعمه الحكومة المحلية، ويعود تأسيسه إلى عام 2007.
ويواصل اجتماع "بيل إستري" أنشطته للعام العاشر على التوالي، وغالبا ما يعقد مناقشات ولقاءات وجلسات نقاش عامة مفتوحة لجميع أعضائه.
وخلال الاجتماع تتم تلاوة القرآن مع اختيار الآيات التي يمكن الاستدلال بها في تمكين المرأة.
وفي تصريح للأناضول، قال ديندين سياريبودين منسق برامج بمعهد سابا، إن "الأنشطة في بيل إستري تستهدف جميع النساء، سواء الأمهات أو الفتيات الشابات غير المتزوجات".
ولفت سياريبودين إلى ضرورة "كسر سلسلة زواج الأطفال شيئا فشيئا"، معربا عن أمله أن يغير الآباء من طريقة تفكيرهم بصفتهم صناع القرار الرئيسي في المنزل، وفق عادات مجتمعنا وتقاليده".
** المساواة بين الجنسين فرصة للتغيير
ومن بين جدول أعمال اجتماع "بيل إستري"، إجراء مناقشات مفتوحة وصادقة حول المساواة بين الجنسين، على أمل أن يقلل ذلك من حالات العنف التي تتعرض لها النساء المحليات، بما في ذلك الزواج المبكر.
ووفق سياريبودين فإن "الزوجات الصغيرات ضحايا بالفعل، لأنه يتم سلبهن العديد من حقوقهن عندما يتم إجبارهن على الزواج".
ولفت إلى أن "الكثير من هؤلاء القاصرات اضطررن إلى الامتناع عن الذهاب إلى المدارس، كما أنهن سلبن حقهن في أن يعشن طفولتهن التي تعتبر من حق أي طفل في العالم".
ورغم انتشار زواج القاصرات، إلا أن الظاهرة تلاقي رفضا واحتجاجا من قبل السكان المحليين.
رسلان، وهو مسؤول الزواج في القرية، لم يذكر للأناضول سوى اسمه الأول، وفق ما تقتضيه تقاليد بلاده، قال إنه يرفض صراحة إضفاء الطابع الرسمي على بعض الزيجات، ويشدد على ضرورة أن يكون الطرفان في عمر مناسب للزواج.
وأضاف: "من الناحية الأخلاقية، لا أشعر أن لي الحق في أن أنهي زواجا بين مراهقين يرغبان في الزواج، وبطبيعة الحال، فإنني أخضع لغرامة إذا فعلت ذلك، كما أن بإمكانهما التوجه لأي مسؤول آخر لإتمام عقد زواجهما".
ووفق تقارير إعلامية محلية، يقف زواج القاصرات وراء العديد من المشاكل الاجتماعية، مثل العنف الأسري، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع والطلاق.
ويجيز قانون الزواج في إندونيسيا لعام 1974، للفتيات الزواج قانونا في سن الـ 16، فيما يشترط ألا يقل عمر الفتيان عن 19 عاما، وهو ما يتناقض مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تنص على أن الطفل هو شخص دون الـ 18.
** التركيز على 5 أقاليم
ولمواجة الظاهرة، أطلقت وزارة تمكين المرأة وحماية الطفل في إندونيسيا بداية نوفمبر / تشرين الثاني الجاري، برنامجا يدعو إلى وضع حد لزواج القاصرات.
ويركز البرنامج على 5 أقاليم هي نوسا تينجارا الغربية، وجاوة الشرقية، وجاوة الوسطى، وجاوة الغربية، وسولاويزي الجنوبية، التي تسجل أعلى نسبة لزواج الأطفال.
ويعتبر مراقبون أن البرنامج "طموح"، ويهدف إلى تغيير العقلية العامة وتسليط الضوء على المصاعب التي يواجهها الأطفال في الحياة.
ووفقا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، فإن إنهاء زواج الأطفال يظل واجبا داخليا لإندونيسيا ضمن أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
وترى المنظمة أن التعليم هو استراتيجية أثبتت نجاحها في الحد من عدد زيجات القاصرات في جميع أنحاء العالم.
وقالت إميلي مينيك، اختصاصية حماية الطفل في فرع اليونيسف بإندونيسيا: "ثبت أن دعم الفتيات لإكمال التعليم الثانوي عامل وقائي هام في الجهود الرامية إلى منع زواج الأطفال".
وأضافت: "يسهم التعليم الثانوي في تزويد الفتيات بالمعرفة والمهارات التي يحتجن إليها للتفاوض على قرارات مهمة، فضلا عن زيادة فرص العمل التي يمكن أن تقلل من الفقر".
وعلاوة على ذلك، تقود "يونيسيف" أيضا حملات لإنهاء زواج الأطفال، بإشراك الشباب الصغار مباشرة في الجهود، وضمان مشاركتهم في القضايا التي تمسهم.
وأشار تقرير صدر مؤخرا عن لليونيسيف أن الجهود المبذولة دفعت نحو تراجع ظاهرة زواج الأطفال في إندونيسيا في السنوات السبع الماضية.
وأشارت بيانات اليونسيف إلى أن إندونيسيا تصنف في المرتبة السابعة ضمن البلاد التي تسجل أعلى معدلات زواج أطفال عالميا، وذلك رغم أن زواج الأطفال في إندونيسيا ما يزال أقل شيوعا مقارنة بمناطق في جنوب آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وتظهر الإحصاءات الحكومية أنه خلال 2012 فقط تزوجت أكثر من 1.3 مليون فتاة قبل سن البلوغ.
news_share_descriptionsubscription_contact
