المستقلون بالانتخابات البلدية التونسية.. تحول سياسي (تحليل)
ما ميز المشهد هذه المرة الصعود اللافت "للمستقلين"، الذين حصدوا ثلث الأصوات تقريبًا، ويرى مراقبون أن جزءًا كبيرًا منهم يتخفى تحت غطاء سياسي
15 مايو 2018•تحديث: 15 مايو 2018
Tunisia
تونس/ يسرى ونّاس/ الأناضول
طرحت نتائج الانتخابات البلديّة في تونس مشهدًا سياسيًا، لا يختلف كثيرًا عما أفرزته تشريعيات 2014، فالمشهد أبقى على ثنائية حركتي "النهضة" الإسلامية (68 مقعدًا بالبرلمان من أصل 217)، و"نّداء تونس" (ليبرالي/ 58 نائبًا).
ولكن ما ميز المشهد هذه المرة الصعود اللافت "للمستقلين"، الذين حصدوا ثلث الأصوات تقريبًا، ويرى مراقبون أن جزءًا كبيرًا منهم يتخفى تحت غطاء سياسي.
النّتائج شهدت أيضًا بروزًا للتيار الدّيمقراطي (معارض/ وسط 3 نواب) حديث التأسيس (2013)، الذّي انشقت قياداته عن حزب الرئيس السابق منصف المرزوقي، "المؤتمر من أجل الجمهورية"، واستطاع التيار بمرجعيته "الثّورية"، وبالتركيز على قضايا تمس الشعب بصفة مباشرة، كقضايا مكافحة الفساد وعدم التصالح مع بقايا النظام السابق، أن يحجز مكانًا له في الساحة السّياسية.
في جانب آخر حافظ ائتلاف "الجبهة الشّعبية اليساري" (معارض/15 نائب) على مكانته كقوة سياسية معارضة.
وتصدّرت القائمات المستقلة نتائج الانتخابات البلدية، بنسبة 32.9%، تلتها حركة "النهضة" بنسبة 29.68%، وحركة "نداء تونس" بنسبة 22.17%.
وحصلت القائمات المستقلة على 2367 مقعدًا بكامل الدوائر البلدية التي يبلغ عددها 350 دائرة، فيما كان لحركة "النّهضة" 2135 مقعدًا، أما حركة "نداء تونس" فحصلت على 1595 مقعدًا.
وجاء ائتلاف "الجبهة الشعبية" في المرتبة الرابعة بحصوله على 295 مقعدًا بنسبة 3.6%، تلاه "التيار الديمقراطي" بـ205 مقعدًا بنسبة 2.8%.
وحلت حركة "مشروع تونس" (وسط) سادسة بحصولها على 124 مقعدًا بنسبة 1.7%، أما حركة "الشّعب" (قومي ناصري) فجاءت في المرتبة السابعة بـ100 مقعدًا بنسبة 1.39%، تلاها "آفاق تونس" (ليبيرالي) الذّي حصّل على 93 مقعدًا بنسبة 1.2%.
وجرت، الأحد الماضي، أول انتخابات بلدية بعد ثورة تونس (يناير /كانون الثاني 2011)، وتنافست في 350 دائرة بلدية 2074 قائمة، منها 1055 قائمة حزبية و159 قائمة ائتلافية، و860 قائمة مستقلة.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي عبد اللطيف الحنّاشي أن "النتائج في الواقع بدت غريبة نسبيًا بالنظر لتراجع الأحزاب وصعود القائمات المستقلة".
وقال الحنّاشي في تصريح للأناضول، إنّ "القوائم المستقلة تصنف إلى 3 أصناف فمنها من ليس له انتماء سياسي، وصنف ثان يضم مكونات من المجتمع المدني الذّي لعب دورًا مميزًا في البلاد، وقائمات شبه مستقلة، وهي تلك التّي نجد بها أشخاصًا كانوا ينتمون لأحزاب، وقوائم انتخابية حزبية، واختلفُوا معها فانشقوا مشكلين قوائم مع مجموعة من الأشخاص الذّين يتوافقون معهم في الأهداف والرؤى".
وكذلك صنّف الخبير في الانتخابات، حسن الزرقوني، القوائم المستقلة إلى 3 أنواع؛ الأول تمثله قوائم قريبة من الأحزاب، وتشكل نحو 50% من مجموع المستقلين، والثاني الأحزاب الصغيرة التي ترفض التوافق بين حزبي "النهضة" و"النداء"، والتّي لم تتمكن من تشكيل قوائم متكاملة فتجمع أعضاؤها مع بعض مشكلين قوائم "مستقلة وتمثل 20%".
والصنف الثالث، وفقا للرزقوني، فيضم عناصر ناشطة فعلًا في صلب المجتمع المدني، وهي لا تدخل تحت غطاء حزبي، وتمثل 30% من مجموع القوائم.
** عقاب للأحزاب ودرس للسياسيين
وأوضح الحنّاشي، في تحليله أنّ "النهضة حزب له نواة تنظيمية، وله قواعد صوتت له رغم تراجع الجسم الانتخابي؛ مقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة"، وهو ما وصفه بـ"الغريب".
وأضاف: "نداء تونس عرف مشاكل، وانشقاقات طيلة السّنوات السابقة، كما أنّ بنيته لا تعبر عن حزب متماسك، وهو ما شتت الأصوات في الانتخابات الحالية".
وتابع: "نتائج الانتخابات تدل على عقاب مارسه مناصرو بعض الأحزاب، التي لم تُنتخبُ من قبل مناصريها، وبقية المواطنين عمومًا، وعامة الشعب نتيجة لسلُوكها (الأحزاب) وأدائها السياسي لأن الظرفية (الظروف) التي جرت فيها (الانتخابات) تتميّز باحتقان سياسي واجتماعي، ولكن رغم ذلك فهي مكسب للانتقال الدّيمقراطي".
وأشار إلى أن "هناك مجموعات من مناصري الأحزاب أنفسهم، ممن لم يكونوا راضين عن التوافق السياسي بين نداء تونس، والنهضة ولم تصوت لأي منهما".
وارتأى أن "الانتخابات البَلدية هي درس للسياسيين، وستفرض نتائجها على الأحزاب ضرورة إعادة حساباتها ومراجعة خطابها وبرامجها الانتخابية، فهي اليوم تقدم برامج مضخمة وهو ما يُساهم في تراجعها وفقدان ثقة المواطن فيها، ويجب عليها أن تتبنى برامج أكثر واقعية وعقلانية تتماشى مع الواقع".
ومضى قائلًا: "نتائج الانتخابات ستؤثر نسبيًّا في المشهد السّياسي، فكل انتخابات لها ظرفية تجري فيها، ففي 2011 كنا في ثورة (انتخابات مجلس تأسيسي)، وكان الناس مندفعون نحو السياسية، أمّا في 2014 كان هناك صراع إيديولوجي وهو ما أثر فيما بعد في نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية حينها (فاز فيها نداء تونس)".
وأردف: "لهذه الانتخابات أيضًا خصوصيتها، وبعض الأحزاب عادة لا تُعطيها قيمة كبيرة ظنًا منها أن التغيير لن يكون إلا عبر السلطة التشريعية والتنفيذية".
** تواصل ثنائية "النهضة" و"النداء"
وأوضح الزرقوني أنّ "نسبة الإقبال كانت ضعيفة مقارنة بانتخابات 2014 لأسباب عدة؛ أولها أنّ هذه الانتخابات محلية وليست لها صبغة عامّة على غرار الانتخابات التشريعية والرّئاسيّة".
وأضاف: "وفق استطلاعات للرأي (أجرتها شركة استطلاع الآراء التابعة له سيغما كونساي) كنا أكّدنا أنه لم يعد للمواطن التونسي ثقة في السياسيين، وأن 82% منهْم يقولون أن تونس تتجه نحو الطريق الخطأ".
وأشار إلى أن التونسيين أظهروا فعلًا تركيزهم السّياسي بوضوح على حزبين؛ هما: حركتا "النّهضة" ذات المرجعية الإسلامية، و"النداء" ذو المرجعية الوطنية، و50% من التّوجهات السياسية في تونس يختزلها هذان الحزبان، وهو ما يفسر الاستقطاب الثنائي في تونس.
ولفت الزرقوني إلى "بروز المعارضة المؤسساتية المتجسدة في التيار الدّيمقراطي بنفس النسبة، ومرجعيته الثورية، والقطيعة مع النظام السابق، ومكافحة الفساد إلى جانب ائتلاف الجبهة الشعبية ومرجعيتها اليسارية والعدالة الاجتماعية".
في سياق متصل، أشار الحناشي إلى أهمية تقدم "التّيار الديمقراطي؛ رغم قائمته المحدودة التي شرحها في الانتخابات البلدّية، خاصة وأن هذا الحزب اشتغل جيدًا على قضية مكافحة الفساد في البلاد، وعلى الحضور الإعلامي الهام لبعض قياداته، وهو ما خدمه جيدًا وجعله يحصد مكانًا ضمن فسيفساء المشهد السياسي".
** المستقلون.. "ظاهرة غير صحية"
ونوّه الحناشي إلى أن "ثمة تراجع لثقة الجسد الانتخابي في النخبة السياسية التّي تتحمّل مسؤوليتها في ذلك".
ورأى أن "ظاهرة المستقلين، الذّين كانوا في المرتبة الأولى من حيث التصويت لهم في البلديات، ظاهرة غير صحية فالحياة السياسية تقام على الأحزاب وهذا لا ينفي أهمية دورهم في المجتمعات".
واختتم بالقول: "نرجو أن يأخذ المستقلون أماكن في الأحزاب، وينتموا إليها فالمُستقل يعمل فقط في المجتمع المدني"، على حد تعبيره.