Yosra Ouanes
08 مايو 2017•تحديث: 08 مايو 2017
تطاوين (تونس)/ هيثم المحضي/ الأناضول
لم تكن الطريق إلى منطقة "الكامور" سهلة أمام فاضل، الشّاب التونسي من محافظة تطاوين التونسية الحدودية مع ليبيا (جنوب) حتى يلتحق ببقية رفاقه في مخيم الاعتصام.
الطرق برية ووعرة تمتد عشرات الكيلومترات، وعلى صعوبتها فإنّ سيارات الشباب المعتصم في تطاوين تتجه إليها صباحا مساء.
وكغيره من أبناء تطاوين اختار فاضل (26 عاما)، صاحب شهادة جامعية، الانضمام إلى مخيم نصبه محتجون قرب نقطة عبور شاحنات شركات الطاقة لقطع الطريق عليها، على أمل دفع الحكومة إلى تطبيق ما يسمونه بـ"مبدأ الشفافية في قطاع الطاقة".
داخل مخيم الاعتصام، قال فاضل للأناضول: "أنا متخرج منذ سنة 2011 وإلى الآن أنا معطل عن العمل، رغم وجود العديد من الشركات الأجنبية التي تشتغل في مجال الطاقة في الصحراء.. الحكومة تماطل رغم وضوح مطالبنا".
** فرص عمل
و"الكامور" هي نقطة عبور معظم شاحنات شركات النفط والغاز الناشطة في الصحراء التونسية، وتبعد قرابة 110 كلم عن مركز محافظة تطاوين.
ومنذ أسبوعين توجه محتجون من العديد من مناطق تطاوين إلى هذه المنطقة للاعتصام وقطع الطريق أمام الإمدادات والمؤونة ومستلزمات العمل عن شركات الطاقة.
وتعيش تطاوين، منذ مطلع أبريل/نيسان الماضي، على وقع احتجاجات مطالبة بالتوظيف داخل حقول النفط في المنطقة.
وتنشط في الجنوب التونسي، وخاصة في تطاوين البالغ عدد سكانها قرابة 149.4 ألف نسمة (من أصل أكثر من 11 مليون نسمة)، العديد من الشركات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز اللذين تزخر بهما الولاية.
** 70 خيمة
ولا تختلف مطالب جمال الدبابي (50 عاما )، وهو أب لأربعة أطفال عن فاضل وبقية المعتصمين، إذ قال للأناضول: "تركت أبنائي في تطاوين للالتحاق بالمعتصمين في الكامور".
وتابع الدبابي، في حديث مع الأناضول: "نحن هنا لمواصلة احتجاجنا حتى الاستجابة الكاملة لما دعونا إليه منذ أكثر من شهر، وهو التشغيل الفوري في الشركات البترولية".
داخل المخيم توجد قرابة سبعين خيمة يعتصم فيها حوالي ألف شاب بصفة متواصلة.
ووسط المخيم تتوفر معظم مرافق العيش من أكل وشرب وخدمات صحية، حيث توجد سيارتا إسعاف وحماية مدنية وخيمة صغيرة يتوفر فيها العلاج الأولى، تحت إشراف الهلال الأحمر التونسي.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه عند دخول المخيم هي عبارة باتت شهيرة بين المحتجين: "الرخ.. لا" (لا تراجع)، التي كتبت على أغلب الدكاكين والخيمات، لتكون الشعار الأكثر ترديدا بين المحتجين وأهالي المنطقة.
ويقصد المحتجون بهذه العبارة عدم الرضوخ أو الاستسلام للوضع التنموي الضعيف للغاية الذي تعيشه محافظة تطاوين.
** مبدأ الشفافية
وإضافة إلى المطالب التشغيلية ينادي المحتجون بضرورة الكشف عن حجم الثروات الطبيعية المستخرجة من حقول النفط والغاز المنتشرة في الصحراء التونسية.
وتسعى تونس إلى توفير مبدأ الشفافية في ملف الطاقة عبر المصادقة مجلس نواب الشعب (البرلمان)، مؤخرا، على تعديل قانون المحروقات، الذي ينظّم عقود النفط مع الشركات البترولية، وذلك لتتلاءم مع الفصل الـ13 من الدستور.
وينص هذا الفصل على أنّ الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه، وأن عقود الاستثمار المتعلقة بها تُعرض على اللجنة المختصة في البرلمان، كما تُعرض الاتفاقيات التي تبرم في شأنها على المجلس للموافقة.
وخلال زيارة رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، إلى محافظة تطاوين برفقة وفد وزاري، قبل أكثر من أسبوعين، شدد على سعى الحكومة إلى مزيد من تكريس مبدأ الشفافية في قطاع الطاقة.
وأطلق أكثر من وزير تصريحات متفائلة بقرب التوصل إلى اتفاق مع المحتجين يقضي بفض الاعتصام وإنهاء إغلاق الطرق الصحراوية، لكن الاعتصام لا يزال مستمرا دون التوصل إلى حل.
** فساد المراقبين
ورغم ذلك، لا يزال ملف الطاقة في تونس يطرح العديد من التساؤلات حول قيمة الإنتاج في هذه الحقول.
وقال عبد المنطلب الودرني، الأستاذ الجامعي المختص في الطاقات المتجددة في المدرسة الوطنية للمهندسين بمحافظة قابس (جنوب)، للأناضول، إن "البعض يتحدثون عن أن تونس تسبح على بحر كامل من البترول والغاز، وهذه مغالطة
الرأي العام التونسي، فحجم إنتاج تونس لا يمكن مقارنته مع أي دولة نفطية أخرى".
وبحسب وزير الطاقة التونسي السابق، منجي مرزوق، يترواح إنتاج تونس من النفط بين 43 و45 ألف برميل يوميا، "معتبرا أنّ "الإشكال الأبرز في قطاع الطاقة يكمن في مسألة الشفافية".
وكان مرزوق اتهم، في تصريح سابق للأناضول، "مراقبي مصاريف الإنتاج، والذين يعملون مع الشركة التونسية (حكومية)، بالفساد الذي يخسر الدولة التونسي عائدات كبيرة في هذا القطاع".
وأضاف الوزير السابق: "ما نلاحظه أن هناك حجم كبير للمصاريف التي تقدمها الشركات الأجنبية، ويصادق عليها المراقبون التونسيون (مسؤول مراقبة المصاريف الإجمالية للإنتاج الطاقي)".
وتدخل الدولة التونسية في عملية شراكة مع شركات أجنبية للبحث أو الاستثمار في قطاع الغاز والطاقة، وترصد عملية الإنتاج من خلال مبعوثيها كمراقبين يتابعون العدادات وحجم المصاريف".
** أضرار بيئية
ووفق خبراء في مجال الطاقة فإن استغلال حقول النفط يؤثر بشكل كبير على الوضع البيئي التونسي، حيث قال الودرني إنه "بحلول سنة 2030 سيشهد مخزون النفط في كل دول العالم (ومنها تونس) تراجعا في مستوى الإنتاج، ومن هنا ستظهر تأثيرات سلبية في مستوى استخراج النفط على الطبقة المائية".
ومضى قائلا إن "عملية استخراج النفط تضر بالطبقة المائية التونسية، فتونس أصبحت دولة مهددة بالفقر المائي بسبب سياسات استعمال الماء الخاطئة".
وختم الأستاذ الجامعي التونسي بأنه "إضافة إلى مخزون الطاقة، توجد أرضية ملائمة في الصحراء التونسية لإنشاء مشاريع في الطاقات المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية".
وتعاني تونس وضعا اقتصاديا صعبا، وتسعى حكومة الشاهد إلى تحقيق نمو بنسبة 2.5% خلال العام الجاري.
ووافق صندوق النقد الدولي، منتصف الشهر الماضي، على الإفراج عن قسط ثانٍ لتونس قيمته 350 مليون دولار من قرض بقيمة 2.8 مليار دولار، ويشترط الصندوق أن تجري الحكومة التونسية إصلاحات اقتصادية، منها خفض الإنفاق على الأجور وتوجيهه نحو الاستثمار.
وكانت الأوضاع الاقتصادية المتردية في تونس أحد أسباب الثورة الشعبية، التي أطاحت بالرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي (1987-2011).