تعمل سلطات إقليم شمال العراق، الذي يتمتع بحكم ذاتي موسع، على تطبيق اجراءات وبحث اصدار تشريعات خاصة بهدف الحد من اغراق أسواقه بالسلع رديئة النوعية، والتي يقول معنيون في الإقليم إنها تأتيهم من دول عديدة أبرزها الصين، فيما يشكك مختصون في جدواها بسبب "تفشي الفساد".
وقال فتحي محمد المدرس، المستشار بوزارة التجارة والصناعة في حكومة الإقليم العراقي، إن السوق العراقية تغرق ومنذ سنوات بالبضائع الرديئة النوعية بسبب عدم وجود رقابة قوية على دخول البضائع للبلاد التي انهكتها الحروب المتعددة على مدى العقود الثلاثة الاخيرة.
وعن منشأ تلك البضائع يقول تجار في السوق العراقية إن مصدرها متعدد وهي تأتي من الصين أولا، ثم بدرجة أقل من إيران، وسوريا وبلدان أخرى.
وتشمل تلك البضائع مجموعة واسعة من المجالات أبرزها السلع الاستهلاكية مثل الأغذية والمأكولات والمنسوجات والألبسة والأزياء والأجهزة الالكترونية والمعدات المنزلية، وصولا إلى المكائن والمعدات وقطع غيار السيارات ومواد البناء وغيرها.
وأضاف المدرس، لمراسل وكالة "الاناضول" للأنباء، "هناك محاولات للحكومة لإنهاء تدفق البضائع الرديئة على أسواق إقليم الشمال، من خلال تفعيل أجهزة الرقابة، وإصدار تشريعات جديدة من البرلمان الإقليمي، وأبرزها قانون حماية المستهلك"، وهو في طور النقاش ولم يتم إقراره بعد.
وكانت الحكومتان الاتحادية العراقية في بغداد، وحكومة إقليم شمال العراق، قد وقعتا منذ عامين عقدا مع شركتين فرنسية وسويسرية لفحص البضائع التي ترغب الشركات العراقية وغيرها توريدها إلى العراق، لكن ورغم ذلك لا تزال البضائع الرديئة تجد طريقها للبلاد.
وأوضح المدرس، "يفترض أن الشركات تتولى فحص البضائع للتأكد من مواصفتها قبل شحنها إلى العراق ، ورغم ذلك نرى سيل البضائع السيئة يجد الطريق إلى السوق.. الحكومة نفسها تقوم بإدخال أغذية غير مطابقة للمواصفات ضمن برنامج الحصة التموينية، ما يدفع المواطنين للشكوى من رداءتها.. إنها سوق فوضوية".
من جانبه، يرى محمد سلمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة صلاح الدين في اربيل (360 كلم شمال بغداد)، ان عدم نمو قطاع الصناعة والانتاج السلعي في العراق هو الذي أدى إلى إغراق السوق المحلية بالبضائع الرديئة القادمة من الخارج.
ووفقا لقانون حماية المستهلك المعروض على البرلمان في شمال العراق حاليا، ستشكل هيئة مستقلة تضم في عضويتها مندوبين وممثلين عن الوزارات والاتحادات خارج الحكومة لتطبيق القانون بعد صدوره.
وقال مستشار وزارة الصناعة والتجارة بشمال العراق إن هذا القانون يرمي إلى أن تكون السلع والخدمات التي تورد إلى إقليم كردستان العراق آمنة وتمتثل للوائح الصحة والسلامة والجودة، وأن يكون المستهلكون محميين من الغش والاستغلال، وأن تكون المعاملات التي يكون المستهلك طرفاً فيها نزيهة وشفافة. كذلك أن تتوفر للمستهلك خيارات متاحة في السلع والخدمات، وأن تتوفر للمستهلك تعويضات قانونية عن أي خرق لحقوقهم.
في المقابل، يشكك شمال نوري، عضو نقابة الاقتصاديين بشمال العراق، بقدرة التشريعات على القضاء على الظواهر السلبية ومنها مسالة إغراق السوق بالبضائع الرديئة.
وقال نوري لمراسل الأناضول، "أهم من التشريعات وقبل كل شيء يجب توفر الإرادة للقضاء على الظواهر السلبية الضارة بالمواطن والمجتمع".
وتابع: "للأسف تلك الإرادة غير متوفرة، والفساد متفش، هناك الكثير من التشريعات موجودة لكن لا يعمل بها التجار لسبب بسيط وهو أنهم مدعومون من الساسة، يستوردون أسوأ أنواع البضائع ويدخلونها للبلاد بسهولة لأن الأبواب مفتوحة لهم ولبضائعهم.. هذا هو نتاج تزاوج الاقتصاد والسياسة، فساد كبير يصعب حتى القضاء عليها".
وفي سوق أربيل، تحدث أحد التجار وعرف باسمه الأول فقط (شامل)، وقال إنه يعمل في قطاع الأجهزة الكهربائية المنزلية.
وقال لمراسل الأناضول، إن "نحو 80% من البضائع التي تباع في أسواق إقليم شمال العراق غير أصلية .. مقلدة ومزورة.. حتى لو كانت تحمل علامات تشير إلى أنها ماركات معروفة".
وأضاف "بإمكانك أن تجد من تلفزيون كوري ، عدة أنواع لنفس الموديل، درجة أولى وثانية وثالثة، فهناك الأصلي منه، والمزور الذي جرى تصنيعه في الصين وغيرها، ومن المزور بإمكانك أن تجد عدة أنواع، الجيد، والأقل جودة، والسيء، والأسعار ستكون مختلفة بالطبع، وهذا الأمر ينطبق على عشرات الأنواع من الأجهزة والبضائع".
وأوضح التاجر، "ربما ساهم تحسن الوضع المادي لسكان إقليم الشمال خلال السنوات السبع الاخيرة، فصاروا يعزفون عن شراء البضائع الرديئة ويطلبون الاصلي منها، لكنك ستجد اسواق مدن وسط وجنوب العراق غارقة بالبضائع الرديئة لان وضع السكان ليس جيدا وهناك طلب على البضائع الرخيصة".
وعن جدوى الإجراءات الحكومية وتشريع القوانين في الحد من إغراق السوق بالبضائع الرديئة، أضاف شامل "التجار والشركات يستغلون عزوف الحكومة عن تشديد الرقابة على الاستيراد والبضائع المتداولة في السوق فيأتون ببضائع يقومون بالاتفاق مع مصانع ومصنعين في الصين على تصنيعها خصيصا لهم بأسعار زهيدة ويغرقون بها السوق المحلية هنا".
وتابع "نحن نبيع بضاعة التجار والشركات، وإذا أرادت الحكومة حماية المستهلكين من البضائع الرديئة فعليها أن تحمينا وتدافع عن حقوقنا أيضا.. نحن الحلقة الوسطى التي تشتري من المورد وتبيع للمستهلك".