أديس أبابا/ إبراهيم صالح/ الأناضول
في أول زيارة رسمية له لإحدى دول الجوار، يبدأ الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، اليوم الأربعاء، زيارة لإثيوبيا تستغرق يومين، بدعوة من رئيس الوزراء الإثيوبي، هايلي ماريام ديسالين، الذي يستضيف بلده مقر منظمة الاتحاد الإفريقي.
لهذه الزيارة إلى الجارة الغربية أهمية بالغة نظرا لحقائق تاريخية ومستجدات سياسية، أبرزها عقود من الحروب المباشرة وبالوكالة بين الجارتين، والفوز المفاجيء لفرماجو (55 عاما)، غير المعروف جيدا لدول الجوار، بانتخابات الرئاسة، والخلاف بشأن طريقة دفع رواتب قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في الصومال (أميصوم).
من هذه المنطلقات وغيرها، تبدو العلاقات بين الجارتين، وهي مليئة بالشكوك وغياب الثقة، بحاجة إلى وضع خارطة طريق جديدة، وهو ما رجح دبلوماسي صومالي حدوثه، معتبرا أن "دبلوماسية المصالح ستتغلب على التباينات والشكوك التاريخية"، لاسيما في ظل دعم أممي وغربي لفرماجو، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، ويعد الرئيس التاسع لجمهورية الصومال.
** حروب مباشرة وبالوكالة
لمدة خمسة عقود، خاضت الصومال وإثيوبيا ثلاثة حروب، بدأت في عهد الرئيس الصومالي (الراحل)، محمد بري (1969- 1991)، والإثيوبي (السابق)، مينغستو هيلي ماريام (1987-1991)؛ بسبب نزاع حدودي بعد استقلال الصومال عام 1960.
وإن انتهت الحروب المباشرة بين بري وماريام، إثر استعانة الأخير بالاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية وكوبا، إلا أن حربا بالوكالة استمرت بينها، عبر دعم كل منهما لقوات معارضة للآخر، حتى سقط النظامان في مقديشو وأديس أبابا عام 1991.
ففي أديس أبابا استولت القوات، التي كان يدعمها بري (الرئيس الثالث لجمهورية الصومال)، وهي "الجبهة الثورية لشعوب إثيوبيا"، على السلطة.
فيما استولت قوات "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا" على أسمرا، في 24 مايو/ أيار 1991، ومهدت لاستقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993.
وفي مقديشو، نجح التحالف الصومالي، الذي كان يدعمه ماريام، ويتألف من ثلاث جبهات، في إسقاط نظام بري، إلا أنهم تقاتلوا على السلطة لخلافة بري، فاندلعت حرب أهلية، وانهارت الدولة المركزية.
كان أبرز قادة التمرد على بري، العقيد عبد الله يوسف، الذي أصبح رئيسا للصومال، عام 2006، على أنقاض قوات "المحاكم الشرعية"، وأسس، في 1997، ولاية بونتلاند شمالي شرقي الصومال، وهي شبه مستقلة عن الحكومة المركزية.
ومن بين هؤلاء القادة أيضا الجنرال محمد فرح عديد، الذي دخل مقديشو على رأس مليشيات، ونصب نفيه رئيسا، وسرعان ما دخل في حرب أهلية مع حلفائه السابقين.
فيما أعلنت "الجبهة الوطنية"، التي قادها عبدالرحمن ثور، انفصال إقليم "أرض الصومال" عن الصومال من جانب واحد عام 1991.
ورغم سقوط النظامين الحاكمين المتحاربين، استمرت الاتهامات والتوترات بين مقديشو وأديس أبابا، التي تتهم إريتريا ومصر بشن حرب بالوكالة عليها تنطلق من الصومال، وهو ما دأبت على نفيه أسمرا والقاهرة.
** خارطة طريق
في عام 2006 تصاعدت الخلافات بين الصومال وإثيوبيا، فإثر سيطرة قوات "المحاكم الشرعية" على مقديشو، اجتاحت قوات إثيوبية العاصمة الصومالية، وسلمت السلطة إلى العقيد عبد الله يوسف (2004-2008).
وسرعان ما اندلعت حرب جديدة بين أسمرا وأديس أبابا، ألقت بظلالها مجددا على العلاقات الصومالية الإثيوبية، خاصة بعد أن احتضنت أسمرا "المحاكم الشرعية" الصومالية، واستقبلت زعيمها، الشيخ شريف شيخ أحمد.
وبعد تراشقات إعلامية وسياسية عسكرية بين "المحاكم الشرعية" وأديس أبابا، أجرى شيخ أحمد مفاوضات مع رئيس الوزراء الإثيوبي، مليس زيناوي، في 2009، نتج عنها توافق سياس برعاية جيبوتي، وجرى انتخاب شيخ أحمد رئيسا للصومال (2009-2012)، خلفا ليوسف.
ودخلت العلاقات بين الجارتين مرحلة جديدة، وبدأت استراتيجية المصالح المتبادلة بينهما، وتطور التعاون في الجوانب الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وشهدت هذه العلاقات نقلة حقيقية في عهد الرئيس الصومالي السابق، الشيخ حسن شيخ محمود (2012-2017)، الذي نقلها من التعاون إلى التكامل.
على عكس كل التوقعات خسر شيخ محمود، المدعوم إقليميا، الانتخابات الرئاسية أمام فرماجو، في 8 فبراير/ شباط الماضي، ما شكل مفاجئة كبيرة لدول الإقليم، التي تتعامل بحذر شديد مع أي رئيس مجهول لها، مثل فرماجو، وهو ما يزيد من أهمية زيارته إلى أديس أبابا، لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات المليئة بالشكوك وغياب الثقة على مدى عقود.
** دبلوماسية المصالح
هذه الزيارة وصفها مدير الإدارة العربية في وزارة الخارجية الصومالية، السفير السابق عبد الله طاهر، بـ"التاريخية"، معتبرا أن "دبلوماسية المصالح ستتغلب على التباينات والشكوك التاريخية بين الجارتين".
طاهر مضى قائلا، في تصريحات للأناضول، إن "الرئيس فرماجو القادم من الولايات المتحدة الأمريكية يمثل الجيل الجديد الذي ولد من رحم معاناة الصومالين من أبناء المهجر، حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي في العاصمة مقديشو".
وتابع أن "فرماجو انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تخرج من جامعة بافالو في نيويورك، وهو قادر على التعاطي مع ملف العلاقة مع إثيوبيا لبدء مرحلة جديدة من التعاون المشترك.. والدعم الأممي والأمريكي والغربي عامة سينعكس إيجابا على علاقات الصومال مع جيرانه".
** تأسيس جيش صومالي
عن جدول أعمال الرئيس الصومالي في أديس أبابا، مقر الاتحاد الإفريقي، قال السفير الصومالي السابق إن "الرئيس فرماجو سيبحث مع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي (موسى فكي محمد) مستقبل قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في الصومال (أمصيوم )، وتأسيس جيش صومالي لتولي عملية حفظ الأمن".
وتحارب "حركة الشباب" الصومالية المتمردة، التي تتبنى تفسيرا متشدا للشريعة الإسلامية، القوات الحكومية والإفريقية، فضلا عن شنها هجمات، أغلبها تفجيرات، في دول مجاورة تشارك في قوات حفظ السلام بالصومال.
وأوضح طاهر أن "الاتحاد الأوربي يدفع شهريا عشرين مليون دولار رواتب لقوات حفظ السلام، بواقع ألف دولار للجندي شهريا.. وباستطاعة الرئيس فرماجو تأسيس جيش، لكنه بحاجة إلى رواتب لا تقل عن سبعة ملايين دولار شهريا".
ويمثل ملف قوات "أميصوم"، البالغ قوامها عشرون ألف جندي، أحد أبرز ملفات زيارة فرماجو، في ظل تصاعد الخلاف بين الدول المشاركة في هذه القوات وبين الاتحاد الأوروبي، الذي يرغب في دفع رواتب القوات إلى المستحقين (الجنود) مباشرة، بدلا من دولهم، وهو ما ترفضه تلك الدول الإفريقية.
ومع تطور الخلاف تدخل الاتحاد الإفريقي، عبر رئيس المفوضية، والرئيس الصومالي، على أمل إيجاد مخرج للأزمة بين الاتحاد الأوروبي والدول المشاركة في "أميصوم"، وهي: رواندا، وبورندي، وأواغندا، وإثيوبيا، وكينيا، وجيبوتي، ونيجيريا.
فيما يرغب فيرماجو في تحويل هذه الأموال إلى ميزانية الدولة الصومالية، وقد بدأ عملية إحلال وإبدال داخل قوات الأمن الصومالية، تمهيدا لدعوة الدول الداعمة إلى تحويل الميزانيات التي تُدفع إلى قوات حفظ السلام الإفريقية بالصومال.
** البعد العربي الإسلامي
ويحظى الرئيس الصومالي، وفق مراقبين، بتأييد داخلي ودعم دولي، وقد تمكن من إسقاط العصبية القبلية، ووحد أغلب الشعب الصومالي خلفه، وهو ما يدعم جهوده لمعالجة حزمة تحديات، في مقدمتها دحر حركة الشباب ودفع عجلة الاقتصاد في البلع الفقير، البالغ عدد سكانه أكثر من 10.8 ملايين نسمة.
وبوصول فيرماجو إلى السلطة، بحسب المراقبين، لم يعد بإمكان المنتقدين إقليما ودوليا اتهام رئيس الصومال بالانتماء إلى ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، وهو أشرس سلاح جرى استخدامه ضد الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الصومال في السنوات الماضية.
كما تراجعت النخب الصومالية ذات المرجعيات العربية، حيث كان الرئيسان السابقان الشيح حسن شيخ محمود، والشيخ شريف شيخ أحمد، ينتميان بقوة إلى الثقافة العربية.
وهذه هي المرة الأولى في الصومال التي ينتمي فيها الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى الثقافة الغربية، حيث يحملون الجنسيات الأمريكية والنرويجية والبريطانية.
ومن شأن هذه المستجدات إنهاء هاجس "الصومال العربي"، الذي ظل يستخدم كورقة سياسية ضد مقديشو بعد العلاقات القوية التي أقامها الصومال مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والصين، لتسقط الشكوك التاريخية بأن الصومال يرتكز فقط على البعد العربي الإسلامي.
ولم يكن اهتمام الغرب بالصومال سوى الاهتمام بالتهديدات الأمنية والإرهابية في المنطقة، وهو ما تغير خلال زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والأمين العام للأمم المتحدة ووزراء خارجية دول غربية لمقديشو.
كل هذه الأسباب تجتمع في تعزيز أهمية زيارة الرئيس الصومالي إلى جارته إثيوبيا، لاسيما وأنها من أكثر الدول التي تتأثر وتؤثر على المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في الصومال.
وزاد من هذه الأهمية الدور الطليعي الذي تلعبه أديس أبابا عبر مشاركتها في قوات حفظ السلام الإفريقية في الصومال، وأدوارها الفاعلة عبر "الهيئة الحكومية لتنمية دول شرق إفريقيا" (إيغاد).
لذا، من المرجح أن ينتج عن زيارة فرماجو تطورات كبيرة في مسار العلاقات الصومالية الإثيوبية، عبر التطرق إلى ملفات كثيرة، في مقدمتها الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي.
news_share_descriptionsubscription_contact
