22 يوليو 2018•تحديث: 23 يوليو 2018
إسطنبول/ رحيم الله فارزم/ الأناضول
في الثاني من يوليو/ تموز الجاري، اعتقلت وحدات القوات الخاصة التابعة للجيش الأفغاني، نظام الدين قيصري، وهو قيادي مقرب من نائب رئيس البلاد عبد الرشيد دوستم، في ولاية فارياب، شمال أفغانستان، وأرسلته إلى العاصمة كابل.
وشهدت عملية الاعتقال أحداثا متوترة للغاية، حيث أدت إلى مقتل 4 من مرافقي قيصري، وإصابة 3 آخرين بجروح خطيرة.
ولعب قيصري دورا فعالا في مواجهة هجمات طالبان المتزايدة، بولاية فارياب، التي تعتبر بوابة البلاد من الجهة الشمالية، إلا أن اعتقاله دون إظهار أسباب مقنعة، وإرساله إلى كابل على الفور، أدى إلى إطلاق موجة من التظاهرات ضد رئيس البلاد، أشرف غني.
وإثر ذلك، شهدت الولايات التي يقطنها الأتراك بشكل خاص، مظاهرات كبيرة، أبرزها مسقط رأس قيصري ولاية فارياب، وولايات جوزجان، وساريبول، ومزار شريف.
وأدت لقطات العنف المسربة إلى وسائل الإعلام، والتي مارستها قوات الأمن بحق مرافقي قيصري، خلال عملية الاعتقال، ولدى مداهمتها منزله، إلى موجة كبيرة من الاحتجاجات.
وانعكست أعمال العنف على الاحتجاجات أيضا، حيث أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل 4 مدنيين، وإصابة 7 آخرين بجروح.
وأعلن مكتب رئاسة الجمهورية، في بيان، أن اعتقال قيصري جاء إثر توجيهه تهديدات بالقتل لعناصر بالجيش خلال اجتماع أمني.
وبهدف خفض التوتر، تم تعيين نقيب الله فائق، تركي الأصل، واليا على ولاية فارياب، إلا أن هذه الحملة السياسية الضعيفة من قِبل الحكومة المركزية لم تنجح في امتصاص غضب الأتراك في أفغانستان، وذلك لتعرضهم لتمييز ممنهج منذ سنوات طويلة على يد الحكومة.
وعلى إثر ذلك، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات في المنطقة، كما وجه كل من نائب الرئيس الأفغاني، عبد الرشيد دوستم المقيم منذ عام ونصف في تركيا، ورئيس حزب الوحدة الإسلامية محمد محقق، ورئيس اللجنة التنفيذية في حزب الجمعية الإسلامية عطا محمد نور، انتقادات حادة للحكومة لاعتقالها قيصري، محذرين إياها من أن البلاد ستتجه إلى أزمة كبيرة في حال عدم إطلاقها سراحه.
- من هو قيصري؟
يبلغ قيصري من العمر 50 عاما، وتعود شعبيته الواسعة إلى نجاحه الكبير في مواجهة حركة طالبان، في المناطق الشمالية من أفغانستان، والتي يقطنها الأتراك بكثافة.
وردا على ازدياد هجمات طالبان في المنطقة خلال الفترات الأخيرة، أعلن قيصري أن القوات التابعة للحكومة المركزية لا تكفي لصد هجمات طالبان، على إثرها تشكلت "قوات الدفاع الشعبي" التي يترأسها قيصري.
وكسب قيصري تأييد الكثير من أهالي المنطقة إثر نجاح قوات الدفاع الشعبي في مواجهة هجمات طالبان، كما وجه انتقادات حادة للحكومة المركزية لتراجع دورها في التصدي لتلك الهجمات.
- ما معنى اعتقال قيصري؟
حتى الآن، لم تعلن الحكومة سببا ملموسا أو اتهاما واضحا إزاء اعتقال قيصري، إلا أن التصريحات الرسمية الصادرة لغاية اللحظة، تتركز حول "انتهاك" قيصري لحقوق الإنسان، وارتكابه "جرائم"، وتوجيهه "إهانات" وتهديدات للجيش.
وأضافت المصادر أن السلطات القانونية تواصل التحقق من التهم الموجهة بحق قيصري، مؤكدين على أن قرار اعتقاله لم يصدر بناء على دوافع سياسية، وأن الاعتقال شمل أسماء أخرى كثيرة، ضمن إطار مواجهة المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة بهدف إحلال النظام العام بالبلاد.
ورغم إصرار الحكومة على نفي وجود دوافع سياسية خلف قرار الاعتقال، إلا أن دفع قيصري بالأتراك لمواجهة الحكومة المركزية، يعتبر سببا ثانيا لاعتقاله.
وكانت المنطقة شهدت احتجاجات مشابهة العام الماضي، عقب اضطرار دوستم لمغادرة البلاد، بعد اتهمه بممارسة "التعذيب"، ما أدى إلى حدوث شرخ بين غني، والأتراك في البلاد الذين لعبوا دورا كبيرا في وصوله لمنصب رئاسة الجمهورية.
ويعتقد أتراك أفغانستان بأن هناك مؤامرة سياسية وراء اعتقال قيصري، تماما كما كان الحال خلال إجبار دوستم لمغادرة البلاد، وأن السياسات التي تبنتها الحكومة الوطنية برئاسة غني خلال الفترات الأخيرة، تدعم حديث الأتراك.
ولم تتخذ الحكومة المركزية سابقا أي إجراءات جادة بحق الجماعات المسلحة بالبلاد، ما يجعل من عملياتها ضد عدد من الجماعات المسلحة العرقية فقط، موضع شك وتساؤل كبيرين حول حياديتها.
وأدت السياسات المتحيزة والاعتقالات التعسفية، لاستياء الأتراك، والطاجيك، والخزر، حيث اجتمع قادة هذه الجماعات في أنقرة، أبريل/ نيسان الماضي، وأعلنوا تأسيس "تحالف إنقاذ أفغانستان".
ومن المنتظر أن يلعب هذا التحالف دورا فعالا خلال الانتخابات الأفغانية المقبلة، الأمر الذي دفع غني إلى العمل على إضعاف معارضيه من خلال ممارسة الضغط السياسي عليهم من جهة، والسعي لحصد أصوات كافة مجموعة البشتون بالبلاد، من خلال ممارسته سياسات التمييز العرقي بالبلاد، من جهة أخرى.
وكان أتراك أفغانستان من أشد داعمي غني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أن التوترات الأخيرة ساهمت في القطيعة بين الجانبين.
ويشهد غني أزمات كبيرة مع الطاجيك والخزر أيضا، حيث تشهد علاقته مع رئيس اللجنة التنفيذية في حكومة الوحدة الوطنية عبد الله عبد الله، توترا حادا، فضلا عن عزله والي ولاية بلخ، عطا محمد نور، والذي يتمتع بسلطة كبيرة بين الطاجيك الأفغان، إلى جانب اتهامه وزير الاتصالات، عبد الرزاق وحيدي، بالفساد مؤخرا وتعليق مهامه، وهو من أصل خزري.
ويواجه غني انتقادات كبيرة بسبب "سياساته المتحيزة"، ما يجعله يخسر شرعيته يوما بعد يوم في نظر الجماعات العرقية الأخرى بالبلاد.
======
** رحيم الله فارزم: محلل في مركز "إيرام" للسياسات الخارجية، وله أبحاث عديدة في مجال القوى غير الحكومية في إيران والشرق الأوسط.