الدول العربية, التقارير

عودة فلسطينيين لغزة.. فرحة يبددها الفقد وتثقلها ساعات الانتظار (تقرير)

- عائلات العائدين تعيش لحظات انتظار وقلق تعكس شهورًا طويلة من الغياب القسري بعد سفر ذويهم لتلقي العلاج

Hosni Nedim  | 05.02.2026 - محدث : 05.02.2026
عودة فلسطينيين لغزة.. فرحة يبددها الفقد وتثقلها ساعات الانتظار (تقرير)

Gazze

غزة / حسني نديم / الأناضول

- عائلات العائدين تعيش لحظات انتظار وقلق تعكس شهورًا طويلة من الغياب القسري بعد سفر ذويهم لتلقي العلاج
- مي العزب: اليوم تعود أختي المريضة وحدها، وتبقى أمي مدفونة في مصر إلى الأبد، فقدنا بيتنا ولا مأوى لنا بغزة
- إسراء عمران: رحلة علاج والدي تحولت إلى اختبار قاسٍ للعائلة بأسرها ولم نكن نتوقع أن نراه مجددًا بسبب الحرب
- ليان عمران: والدتي نذرت أن ترجع حافية القدمين إن عادت من رحلة العلاج، وأنا اليوم أحمل الشبشب لألبسه لها
- أماني عمران: عشت عامين بعيدة عن أهلي، والعودة كانت صعبة مليئة بالإهانة لكن أول نفَس لي بغزة أنساني التعب

في ساعات الليل الباردة، وداخل باحات "مستشفى ناصر" بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، كانت لحظات الانتظار والقلق والصمت تختصر شهورًا من الغياب القسري لعائلات المرضى والمصابين الفلسطينيين.

وصلت حافلة العائدين، ومعها توقفت قلوب كثيرة كانت معلّقة بين الرجاء والخوف، ووقفت الفلسطينية مي العزب على مقربة من الحافلة، تحدّق ببابها الذي فُتح لإنزال المرضى والمصابين العائدين من مصر عبر معبر رفح البري.

بحثت مي بوجدانها لا بعينيها عن مشهد واحد فقط: نزول شقيقتها المريضة ووالدتها مع الواصلين، بعدما غادرتا غزة قبل نحو عام و8 أشهر، لكن باب الحافلة أُغلق دون أن تظهر الأم.

الوالدة التي غادرت القطاع سليمة معافاة لترافق ابنتها في رحلة الاستشفاء، توفيت في مصر، لحظة كانت كافية لتنهار الصورة التي حملتها مي طوال رحلة الانتظار.

بصوت مثقل بالحزن، تقول مي لمراسل الأناضول: "جئت لأستقبل أختي ووالدتي معًا، خرجتا للعلاج ولم تكن والدتي تعاني من شيء، واليوم تعود أختي المريضة وحدها، وتبقى أمي مدفونة في مصر إلى الأبد. لا أستوعب كيف حدث ذلك!".

تحاول مي أن تفرح بعودة شقيقتها، لكنها تعترف أن الفرح منقوص، وأن الألم يتضاعف حين تتذكر أن البيت الذي كان سيستقبل الأم لم يعد موجودًا.

وتردف: "لا بيت، لا مأوى، ولا حتى مكان نعلّق فيه صورة أمي، منطقتنا أصبحت كومة من الركام".

وتحتضن شقيقتها العائدة بعد رحلة علاج طويلة، ومنع إسرائيلي بسبب إغلاق معبر رفح، والدموع تنساب على وجنتيها من شدة الاشتياق وحرقة لفقد الوالدة.

وتشير تقديرات في غزة إلى أن 22 ألف جريح ومريض يأملون مغادرة القطاع لتلقي العلاج، نظرا للوضع الكارثي بالقطاع الصحي جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.

** "اختبار قاسٍ"

في زاوية أخرى، كانت إسراء عمران تقف على مقربة من بوابة "مستشفى ناصر"، بانتظار وصول الحافلة، تقول: "رحلة علاج والدي تحولت إلى اختبار قاسٍ للعائلة بأكملها".

وغادر والد إسراء قطاع غزة متجهًا إلى مصر في 28 نيسان/أبريل 2024 في رحلة لم تكن اختيارية، بل فُرضت عليه قسرًا، بسبب الواقع الصحي الصعب وتدمير المستشفيات والحصار الإسرائيلي، ليجد نفسه مبعدًا لمدة عام وثمانية أشهر.

وتضيف إسراء: "بعد انتهاء العلاج، أراد والدي العودة إلينا، لكن إغلاق معبر رفح حال دون ذلك، وكنا نعيش حالة نفسية بالغة القسوة، ولم نكن نتوقع أصلًا أن نراه مجددًا بسبب الحرب الشرسة".

وتصف إسراء لحظات الانتظار بأنها الأصعب، حيث امتزج البرد القارس بثقل الخوف والترقب، وتقول: "نحن الآن في ساعات الفجر الأولى، ننتظر وصولهم، الرحلة متعبة وشاقة".

وتوضح أن آخر اتصال جمعها بأهلها كان عند الساعة الرابعة عصرًا، قبل أن ينقطع الاتصال بعد خروجهم من الصالة المصرية في معبر رفح.

إسراء أشارت إلى أن الإجراءات في الجانب المصري كانت "سهلة وسريعة وبكل أريحية"، قبل أن يتم إبلاغ العائلة، عبر جمعية الهلال الأحمر، بأن الوصول يحتاج إلى نحو ساعة إضافية.

وتتابع إسراء، بصوت تختلط فيه الدموع بالامتنان: "شعورنا لا يمكن وصفه، كنا نعيش في غزة ظروفًا جعلتنا نفقد الأمل في رؤيتهم مرة أخرى، كنا أجسادًا بلا روح".

وتوجّه شكرها لكل من ساهم في فتح المعبر وتسهيل عودة العالقين، معتبرة أن لحظة العودة، رغم قسوتها، أعادت للعائلة جزءًا من الحياة التي سلبتها الحرب والغياب القسري.

** "لم نفقد الأمل"

غير بعيد عن المشهد، كانت الفتاة ليان عمران تقبض بيدها على شبشب بلاستيكي، تحتفظ به منذ ساعات، وتقول إنه ليس حذاءً عاديًا، بل وفاء لنذر قطعته والدتها.

تروي ليان قصة هذا النذر وعيناها تبرقان بقلق واشتياق: "والدتي نذرت إن عادت من رحلة العلاج، فإنها سترجع حافية القدمين، وأنا اليوم أحمل الشبشب لألبسه لها بعد أن تطأ أرض غزة".

رحلة الانتظار كانت طويلة، فآخر اتصال كان قبل ساعات قبل مغادرة الجانب المصري، والبرد يشتد، والأخبار شحيحة.

"قالوا لنا ساعة ويصلوا، مرت ساعات ونحن ننتظر، لكننا لم نفقد الأمل"، تضيف ليان قبيل وصول الحافلة.

** "يكفيني أنني عدت"

مع وصول الحافلة، تدافع الأهالي نحو أحبّتهم، تعانقوا كما لو أنهم يستعيدون الحياة، دموع فرح باللقاء، وأخرى حزنًا على من لم يصلوا.

العائدون تحدّثوا عن رحلة قاسية عبر معبر رفح، حيث التفتيش الطويل وسوء المعاملة ومصادرة بعض المقتنيات لدى وصولهم إلى الجانب الفلسطيني حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي.

وبالفعل، حين وصلت أماني عمران والدة ليان إلى "مستشفى ناصر" عائدة من مصر، نزلت من الحافلة حافية القدمين، كما وعدت، وكأنها تتأكد أن غزة ما زالت هنا.

تقول أماني: "قطعت نذرًا وعدت به، عشت عامين بعيدة عن أهلي، والطريق كان صعبًا ومليئًا بالإهانة، لكن أول نفس أخذته في غزة أنساني التعب، لا أستطيع وصف شعوري، يكفيني أنني عدت".

وبشكل محدود جدا وبقيود مشددة للغاية، أعادت إسرائيل في 2 فبراير/ شباط الجاري فتح المعبر.

وكان متوقعا، بحسب إعلام مصري وعبري، أن يعبر إلى غزة يوميا 50 فلسطينيا وإلى مصر عدد مثله، بين مرضى ومرافقين، لكن هذا لم يحدث حتى اليوم.

فمنذ بدء إعادة فتح المعبر الاثنين، وصل في اليوم الأول إلى غزة 12 فلسطينيا وغادرها 20، وفي اليوم الثاني وصل 40 وغادر مثلهم.

وبموجب التعليمات الإسرائيلية يُسمح فقط لفلسطينيي غزة بالعودة إلى القطاع في حال غادروه بعد اندلاع الحرب، التي احتلت خلالها إسرائيل المعبر في مايو/ أيار 2024.

وتفيد معطيات فلسطينية شبه رسمية بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة، في مؤشر واضح على إصرار الفلسطينيين على رفض التهجير والتسمك بالعودة رغم الدمار.

وأفادت شهادات عائدين، بينهم مسنّون وأطفال، بتعرّضهم لتحقيق إسرائيلي قاسٍ، مشددين في الوقت نفسه على تمسكهم بأرضهم ورفضهم أي محاولة لتهجيرهم.

وقبل حرب الإبادة، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر المعبر إلى مصر، ويعود مئات آخرون إلى القطاع في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل في المعبر تخضع لوزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، دون تدخل إسرائيلي.

وكان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لكنها تنصلت من ذلك.

وخلّفت الإبادة الإسرائيلية في غزة خلال عامين نحو 72 ألف قتيل فلسطيني وأكثر من 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.