الدول العربية, التقارير, فلسطين, قطاع غزة

بيد مهندس فلسطيني.. خردة الألمنيوم تعيد الحياة لآلات ومركبات بغزة (تقرير)

المهندس باسل البطش افتتح ورشة بدائية لتصنيع قطع الغيار من مخلفات الألمنيوم داخل خيمة، في محاولة لاستعادة مهنته التي فقدها بسبب تدمير مصنعه جراء الحرب

Ramzi Mahmud  | 26.03.2026 - محدث : 26.03.2026
بيد مهندس فلسطيني.. خردة الألمنيوم تعيد الحياة لآلات ومركبات بغزة (تقرير)

Gazze

غزة/ رمزي محمود/ الأناضول

- المهندس باسل البطش افتتح ورشة بدائية لتصنيع قطع الغيار من مخلفات الألمنيوم داخل خيمة، في محاولة لاستعادة مهنته التي فقدها بسبب تدمير مصنعه جراء الحرب
- أدت الحرب الإسرائيلية إلى دمار واسع في القطاع الاقتصادي، وخاصة المصانع والمنشآت الإنتاجية، ما أدى لفقدان آلاف العمال مصدر رزقهم، في ظل أوضاع معيشية كارثية
- البطش: الإقبال على هذه القطع كبير، فالحاجة في غزة أكبر من الإمكانيات لكن العمل لا يخلو من صعوبات، فالمواد الأساسية مفقودة تماماً

في خيمة صغيرة من النايلون وسط منطقة تل الهوا جنوبي مدينة غزة، افتتح المهندس باسل البطش ورشته المتواضعة لإعادة تدوير الألمنيوم وتصنيع قطع غيار للمركبات والآلات المهترئة، محاولا التغلب على الظروف الصعبة الناتجة عن حرب الإبادة الإسرائيلية والإغلاق المشدد للمعابر.

دخان خفيف يتصاعد من موقد بدائي، بينما يقف البطش منحنيا فوق وعاء معدني يذيب فيه قطعاً من خردة الألمنيوم، وحوله أكوام من المعدن المستخرج من تحت ركام المباني المدمرة.

ما يبدو كخردة بلا قيمة، يتحول في هذه الورشة البدائية إلى قطع غيار تعيد الحركة لمركبات وآلات يعتمد عليها كثير من الفلسطينيين في كسب قوت يومهم، في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي تمر بهم.

لم تكن الخيمة يوماً مكان عمله، فقبل الحرب كان البطش يمتلك مصنعاً خاصاً لتصنيع قطع الغيار، لكن المصنع دُمر بالكامل، شأنه شأن آلاف المشاريع التي فقدها فلسطينيو غزة، ومع خسارته لمصدر رزقه، وجد نفسه مثل كثيرين أمام السؤال الصعب: كيف يمكن الاستمرار في الحياة أمام هذا الواقع المرير؟

** اقتصاد منهار

تسببت الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بغزة في 8 أكتوبر 2023، واستمرت عامين، في دمار واسع طال مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي القلب منها المصانع والمنشآت الإنتاجية، ما أدى لفقدان آلاف العمال مصدر رزقهم، في ظل أوضاع معيشية كارثية يعتريها الفقر والبطالة.

ويواجه أصحاب المنشآت والحرف صعوبة بالغة في إعادة النهوض بسبب حجم الدمار الهائل، واستمرار الحصار الإسرائيلي، ومنع إدخال المواد الأساسية اللازمة لإعادة تشغيل تلك المشاريع.

ووفق تقرير سابق للبنك الدولي، فقد "دفعت الحرب الإسرائيلية بالاقتصاد الفلسطيني إلى أعمق انكماش له منذ أكثر من جيل، إذ تعاني غزة من شلل اقتصادي شبه كامل، وبلغ العجز في الناتج المحلي ما نسبته 83 بالمئة.

وتشير بيانات التقرير إلى "ارتفاع نسبة البطالة في القطاع إلى 80 بالمئة، حيث تعيش جميع الأسر في غزة تقريباً في حالة فقر، وتعتمد على المساعدات لتوفير الغذاء والإمدادات الأساسية والوقود".

** لا استسلام

لم يستسلم البطش لهذا الواقع، فبين الركام الذي يملأ شوارع غزة، لمح فرصة صغيرة للحياة. بدأ يجمع قطع الألمنيوم المتناثرة من تحت أنقاض المنازل المدمرة، ثم أنشأ في مكان نزوحه ورشة بدائية يعمل فيها مع عدد من العمال الذين فقدوا أعمالهم.

يقول البطش في حديث مع الأناضول: "لم يكن لدينا خيار آخر، فمئات المركبات والشاحنات ومولدات الكهرباء بحاجة إلى صيانة ويبحث أصحابها عن قطع الغيار، لكن المعابر مغلقة منذ بدء الحرب، والاحتلال (الإسرائيلي) لا يدخل شيئاً إلى القطاع".

ويضيف وهو يشير إلى الموقد البدائي: "مع خبرتنا السابقة في هذا المجال، قررنا أن نحاول تصنيع ما نستطيع بأيدينا، ومحاولة سد الفراغ بالشيء البسيط".

وتمر عملية التصنيع، وفق البطش، بمراحل شاقة لكنها بسيطة في أدواتها، فبعد جمع الألمنيوم من تحت الركام، يتم صهره على النار في مواقد بدائية بدرجات حرارة مرتفعة، ثم يُصب المعدن المنصهر في قوالب من الطين معدة مسبقاً بحسب الحاجة، قبل أن تترك لتبرد ويتم صقلها وطلاؤها لتصبح جاهزة للاستخدام.

ورغم بساطة الإمكانات، فإن هذه القطع الصغيرة تعني الكثير لشريحة واسعة من الفلسطينيين.

فمركبة تعمل تعني سائقاً قادراً على إعالة أسرته، ودراجة نارية صالحة تعني عاملاً يستطيع الوصول إلى عمله، ومولد كهرباء يدور يوفر ساعات إضافية من الضوء في بيوت أنهكها الظلام منذ ما يربو عن عامين، وفق قوله.

يضيف البطش: "حين ننجح في إصلاح قطعة أو تصنيع أخرى، نشعر أننا أنقذنا آلة من أن تصبح مجرد خردة، ووفرنا أيضاً مصدر رزق لعائلة نازحة".

**حاجة وإقبال كبيران

يقول البطش إن "الإقبال على هذه القطع كبير، فالحاجة في غزة أكبر من الإمكانيات لكن العمل لا يخلو من صعوبات، فالمواد الأساسية مفقودة تماماً، وما يتوفر غالباً يكون بديلاً محدود الجودة".

وأوضح أنه يقضي في بعض الأحيان "أياما في البحث عن مادة بسيطة تلزم للتصنيع"، مؤكدا مواصلة محاولاته المضنية للعثور على بدائل.

ورغم المخاطرة بفعل انعدام وسائل السلامة، والإرهاق والحرارة المنبعثة من الموقد والدخان الذي يملأ المكان، يواصل البطش ورفاقه العمل يومياً، فالورشة الصغيرة باتت بالنسبة لهم أكثر من مجرد مصدر رزق؛ فهي محاولة للتمسك بالحياة أمام واقع قاسٍ.

ويقول البطش بابتسامة هادئة: "تعودنا في غزة أن نصنع الحياة من أصعب الظروف، والفلسطيني بطبيعته لا يستسلم بسهولة".

ومع ذلك، يظل الأمل الأكبر بالنسبة له أن تنتهي هذه الظروف الاستثنائية، ويعرب عن آماله في "فتح المعابر قريباً ودخول المواد الخام وقطع الغيار، حتى نستطيع العمل في ظروف طبيعية ونستعيد شيئاً من الحياة التي فقدناها"، وفق قوله.

ومساء الثلاثاء، قال "الممثل السامي لغزة في مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، إن الوضع في القطاع لا يزال صعبا للغاية، رغم "تحسينات ملحوظة" عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

جاء ذلك في كلمة ألقاها ملادينوف أمام مجلس الأمن الدولي، مؤكدًا ضرورة عدم إغفال الوضع في القطاع وسط استمرار النزاعات الإقليمية التي اندلعت عقب الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران.

وأشار إلى أنه رغم "التحسينات" التي شهدها القطاع مع المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فإن الوضع لا يزال صعبًا.

وأضاف أن "الخدمات الأساسية تعمل بجزء ضئيل جدًا من طاقتها قبل الحرب، والنظام الصحي منهار، ولا يوجد اقتصاد فعال".

وجرى التوصل للاتفاق بعد عامين من حرب إبادة إسرائيلية بدأت في 8 أكتوبر 2023، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا واسعا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.

وتخرق إسرائيل الاتفاق بشكل يومي عبر حصار مستمر بتشديد القيود على المعابر وقصف وإطلاق نار، ما أسفر حتى الأربعاء عن مقتل 689 فلسطينيا وإصابة 1860 آخرين.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.