وليد الطيب
الخرطوم - الأناضول
قلل وزير الدولة برئاسة الجمهورية في السودان، أمين حسن عمر، من أهمية بيان المعارضة السودانية الأخير الذي دعت فيه إلى إسقاط النظام الحالي، مشددا على أن "الحكومة الحالية لا تعاني من عزلة داخلية بدليل أنها تضم عدد أكبر من القوى السياسية مقارنة بالحكومة السابقة".
وفي مقابلة خاصة مع الأناضول، أشار عمر إلى أن "الحكومة قدمت عدة مبادرات للتوافق الوطني لكن تحالف المعارضة بزعامة فاروق أبو عيسى لم يتجاوب معها"، معتبرا أن المعارضة "بلا وزن" وتحداها أن تثبت نفسها في أي انتخابات.
وحول استمرار مشكلة إقليم دارفور، رأى عمرـ الذي يشغل أيضا منصب مسؤول ملف دارفور بالحكومة السودانية، أن الدول الاستعمارية هي التي صنعت هذه المشكلة وهي التي تقف وراء استمرارها.
وبشأن إمكانية تعثر الحكومات الإسلامية التي تولت الحكم في دول الربيع العربي، على غرار ما حدث في السودان، أجاب عمر "ليس بالضرورة" لأن "الظروف ليست متشابهة ولا تطور الأوضاع سيكون متشابها، ولا قدرة الغرب على إيذاء كل الدول هي نفس القدرة".
وعن تعثر التوصل لاتفاق بين شمال وجنوب السودان بشأن مصير منطقة أبيي الغنية بالنفط، قال إن "أي حل يخرج عن قانون الاستفتاء لجميع سكان أبيي، لن يكون مقبولا" حتى لو صدر قرار بشأنه من مجلس الأمن.
وإلى نص الحوار
- عقب الربيع العربي تعالت أصوات داخل الحكومة السودانية وحزبها المؤتمر الوطني بضرورة الإصلاح، لكن المراقبين يقولون لم يحدث جديدا؛ فهل الحكومة جادة في الإصلاح؟
الإصلاح لا يعني بالضرورة أن ثمة إفساد، فالإصلاح عملية مستمرة، وأيّ جهد بشري معرّض للتقصير والنقص، ولذا فالإصلاح هو محاولة لاستدراك هذا، أما الذين يتوقعون أن يفضي الإصلاح إلى تغييرات كبيرة في الحكومة فإنهم متحيزون، يفترضون أن المشكلة في أشخاص بعينهم، ونحن لا نشاركهم هذا التقدير، لأنه تقدير خصوم، وغير موضوعي، لكن حتى اختيار الناس خاضع أيضا لتقديرات قائمة على قدرة الأفراد وكفاءتهم للأعمال التي أوكلت اليهم، وهو تقدير قابل للخطأ والصواب والمراجعة بعد ذلك.
بالرغم من هذا ستظل مسيرة المراجعة مستمرة، فإذا كان هناك أداء أقل كثير من التوقع من وزير أو مسؤول فإن هذا الوزير أو المسؤول سيرحل، فليس لدينا وزير لأنه من أسرة مالكة.
- تأخذ المعارضة على الحكومة تشبثها بوزراء ظلوا في مناصبهم أكثر من 20 سنة، فهل عقمت السودان عن إنجاب كفاءات غيرهم؟
في دول كثيرة جدا إذا لم يتغير الحزب، ولم تتغير سياسته باتجاه يقتضي تغييرا سياسيا يظل فيها الوزراء موجودون لفترة طويلة، إلا في البلاد التي تتعاقب فيها الأحزاب بسرعة، لكن لو نظرت لأحزاب استقرت فيها السلطة ستدرك ذلك، مثلا في الهند استقرت السلطة لحزب المؤتمر الهندي لسنوات طويلة، ستجد وزراء ظلوا لفترات طويلة استفيد من خبرتهم.
انا شخصيا أومن بأن التغيير في فترات معقولة لا متقاربة جدا، ولا متباعدة، مهم لتطوير العمل، ولكن هذا أمر خاضع لتقديرات الناس، ثم إن العدد الذي يتحدثون عنه، أربعة أو خمسة أشخاص في وزارة فيها أكثر من 30 وزيرا، وهذا مبعثه التحامل السياسي أكثر منه الحرص على المصلحة، التي اقتضت إبقائهم لخبرتهم.
- يقال أن الحكومة الحالية تعاني نوع من العزلة الداخلية باعتبار أن عدد الأحزاب المشاركة فيها أقل مما كان في الحكومات التي شكلتها الإنقاذ قبل انتخابات 2010م؟
هذا غير صحيح، العدد الآن أكثر، آخر حكومة كانت مكونة من 14 قوة سياسية، الآن 17 قوة سياسية مشاركة في هذه الحكومة.
- هل تقصد مشاركة أبناء قيادات الأحزاب المعارضة في السلطة مثل عبد الرحمن الصادق المهدي وجعفر ابن محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي؟
هم يمثلون أحزابهم بالطبع، لأن أحزابهم لا تزال تحتفظ بهم في قيادتها، فكيف يكون شخص موجود في هيكل القيادة ولا يكون ممثلا لحزبه.
- لماذا فشلت الحكومة في الوصول لاتفاق مرض ومقنع مع أحزاب المعارضة الكبرى مثل حزب الأمة في البلاد للمشاركة في السلطة؟
ما الذي أعطاها صفة كبرى؟.. إذا كان حزب تقسّم إلى ثمانية أحزاب، ما الذي يعطيه صفة كبرى؟
على أي حال، كي نتفق لابد من وجود طرفين راغبين في الاتفاق، نحن نعتقد أننا قدمنا أفكار ومشروعات ومبادرات للاتفاق لم يقبل بها الطرف الآخر لأنه داخل في هذا الوهم، إنه من الأحزاب الكبرى، وهذا الأمر لا يمكن قياسه إلا باختبار الانتخابات.
- تتهم الحكومة بأنها تريد موظفين فقط وليس شركاء سياسيين حقيقيين، فهل هذه طبيعة المشاركة عندكم؟
اذا كان هناك وزراء مفوضين بحسب الدستور ثم بعد ذلك يحجمون عن ممارسة حقوقهم الدستورية فهؤلاء الوزراء هم الذين يفترض أن يُسألوا لا أن تُسأل أي جهة أخرى، وهذا برأيي مجرد كلام للاستهلاك السياسي ليس له قيمة ولا دليل عليه.
- طيب لماذا طردت الحكومة مبارك الفاضل ولماذا خرج زعيم حركة تحرير السودان مني أركو مني وعاد للتمرد والسلاح مرة أخرى؟
لأنهم أرادوا أن يكونوا جزءا من الحكومة والمعارضة في نفس الوقت، وهذا غير ممكن.
أنت لا تستطيع أن تكون جزءا من الحكومة ثم تستضيف في دار حزبك المعارضة في عمل ضد الحكومة، إذا لم يخرجوا كان ينبغي أن يُخرجوا، ولكنهم بحسابات خاطئة قدروا أن يخرجوا ليتحملوا المسؤولية.
- اتهمت المعارضة في إعلان سياسي أصدرته هذا الأسبوع الحكومة بالفشل في إدارة البلاد ودعت لإسقاطها فما تعليقكم؟
معارضة فاشلة منبوذة من الشعب بشهادة الشعب، وفشلت في أن تمثّل بصورة دستورية عبر الانتخابات، فمن الطبيعي أن تقول مثل هذا القول.
- إذا رفضت اتهامات المعارضة فكيف تفسر تفاقم مشكلة دارفور في عهد هذه الحكومة؟
غير صحيح.. إذا رجعت الى كتاب سلاطين باشا (السيف والنار) ستجد جذورها قبل قرنين من الزمان، ولقد واجهنا مشكلة دارفور بالحلول والدراسة الموضوعية وبالمقاربة الصحيحة التي تحاول أن تدرك حجم المشكلة وتعالجها، ولم يجرؤ احد على التعامل معها مثلما فعلنا، وكذلك مشكلة جنوب السودان، والجميع يعلم إنها مشكلة قديمة. كون أن الجنوب انفصل فهو لم ينفصل بقرار من الحكومة بل بقرار من الجنوب، والخيار الثاني أن يرفض شعب الجنوب الوحدة ونقهره على هذا الخيار، لكننا لا نؤمن بالوحدة القهرية.
- المشكلة فعلا كانت قديمة ولكن المجتمع الدولي لما يتدخل إلا مؤخرا لماذا؟
غير صحيح أيضاً، فالمجتمع الدولي هو الذي صنع مشكلة الجنوب أساسا، وتحديد المستعمر البريطاني، ثم ظل يغذيها طوال سنوات، عبر حركات التمرد نفسها والتحريض الاعلامي والثقافي لشعب الجنوب، كل ذلك قامت به دول استعمارية بصور مباشرة أو غير مباشرة عبر منظماتها وامتداداتها في السودان وجنوب السودان.
- هل تفسر قضية دارفور بذات التفسير؟
نعم.. ليس من الغرابة أن تتدخل الدول الاستعمارية المتنفذة في البلاد الأخرى لمصالحها، ولو كان في السودان حكومة موالية للاستعماريين، لكان حاله مثل حال الكثير من الدول التي سلّمت للغرب.
- البعض يحمل الحكومة مسؤولية الحصار الذي فُرض على البلاد بسبب رفع شعارات إسلامية بصورة صارخة مستفزة للغرب؟
هذا حقنا، وقد طالبنا بما يطالب به شعبنا، والآن عندما أتيحت الحرية للشعوب في المنطقة العربية اختارت نفس الشعارات والبرنامج. المستعمرون يدركون تماما أن المطالبة باستلهام الشريعة الإسلامية واتخاذها مرجعية للحياة العامة، مطلب شعبي متجذر ليس في السودان فحسب بل في منطقة الحوض العربي الإسلامي كله.
- كونك مفكر وصاحب تجربة وخبرة هل تعتقد أن التجارب المماثلة في مصر وتونس وغيرها ستكرر نفس السيناريو السوداني وتتعرض لنفس النتائج؟
ليس بالضرورة.. فالظروف ليست متشابهة ولا تطور الأوضاع سيكون متشابها، ولا قدرة الغرب على إيذاء كل الدول هي نفس القدرة، ولا توازن المصالح هو نفسه.
السودان دولة فقيرة، وإمكاناتها ضعيفة، لكن إرادة شعبها قوية، ولكنها تصدرت لقيادة مشروع الارتباط بالهوية الإسلامية، نحن دفعنا أثمان لمشروع الاستقلال الثقافي لكننا لا نعتقد أن هذه الأثمان باهظة بالنظر إلى ما حققناه من استقلال ثقافي، ومن عودة شعبنا لمصادره الأصلية ليستلهمها ويعيش حياته كما يريد أن يعيش، لا كما يبغي له الآخرون.
- أوصلت المحاولة الإنقلابية الأخيرة رسالة بأن الحكومة لا تستمع للصوت الإصلاحي حتى ولو من أبنائها ومن داخلها؟
من الذي زعم أن هذا الانقلاب إصلاحي؟!.
- ما تسرب من أخبار يقول إن الإنقلابيين كانوا عازمين على تشكيل حكومة قومية انتقالية من كل القوى السياسية السودانية... أليس هذا إصلاحا؟
كلا.. فما معنى حكومة انقلابية قومية، في ظل وجود حكومة بالفعل ذات قاعدة عريضة دَعَوْنَا كل الأحزاب السودانية للمشاركة فيها، فرفضت الكثير من الأحزاب لأنها تريد حكومة بشروطها هي وبالأوزان التي تمليها، وهذا لن تسمح به حكومة حاضرة أو قادمة، إلا إذا كانت ضعيفة، فإذا كانت ضعيفة فستُدخل البلاد إلى فوضى وليس إصلاح.
ومن قال إن مجرد الدعوة إلى حكومة قومية هو سبيل للإصلاح، إن تكوين حكومة قومية ضخمة من دون اتفاق على برنامج، ومن دون رؤية واحدة، ومن دون إرادة موحّدة للوصول إلى مقاصد متفق عليها، ربما سيفتت البلاد وسيضعفها ويضيع مواردها.
- تتهم الحكومة بأنها لا تسمح للمعارضة بحق التظاهر السلمي، كيف ترد على هذا الاتهام؟
إذا كانت المعارضة تريد مظاهرة تلتزم فيها بالقانون فمرحبا بها.. المعارضة لا تريد أن تلتزم بالقانون، ولا تريد أن تطلب أذونات للنشاط السياسي خارج دورها، وهذا قانون معروف في كل الدول.
من ناحية أخرى ليس مسموحا لأي جهة إسقاط الحكومة بطريقة غير دستورية، فإذا أرادت المعارضة أن تحتج على غلاء الأسعار، أو تحتج على نقص الحريات فهذا متاح، أما أن تخرج للمطالبة بإسقاط الحكومة فهذا غير متاح قانونياً ودستورياً.
- القوى المعارضة ترفض المشاركة في صياغة دستور البلاد فهل سينجزه المؤتمر الوطني وحده؟
هذه الأحزاب بدون أوزان.. عليهم أن يثبتوا أوزانهم سواء بالانتخابات العامة، أو حتى انتخابات الطلاب في الجامعات. والمعارضة ليست بكثرة اللافتات والعناوين. لماذا تسقط المعارضة وتفشل في كل منبر يختار فيه الشعب؟
- لأن السلطة تتدخل.. أليس كذلك؟
كيف تتدخل الحكومة في انتخابات الطلاب في الجامعات؟
- تتدخل الحكومة بما توفره من تمويل للطلاب المنتمين إلى الحزب الحاكم.. هذا اتهام يوجه إليكم.. فما تعليقك؟
هذا غير صحيح، فإذا كنا نتكلم عن التمويل، فهذه الأحزاب العميلة تأتيها أموال من الخارج أضعاف ما يمكن أن توفره أي حكومة.
- فيما يتعلق بمشكلة أبيي الغنية بالنفط.. هل هناك حلولاً غير مقترح الوسيط الأفريقي الذي لا يحظى بقبول الطرفين حتى الآن؟
أي حل يخرج عن قانون الاستفتاء لجميع سكان أبيي والبروتكول المتفق عليه بين جميع الأطراف لن يكون مقبولا.
- حتى إذا خرج حل من مجلس الأمن الدولي؟
حتى لو صدر قرار من مجلس الأمن، لأن مجلس الأمن لا يحق له أن يتدخل في أمور متعلقة بسيادة الدولة على أراضيها.
وبإقرار الطرف الآخر نفسه فإن منطقة أبيي جزء من شمال السودان إلا إذا قرر أهلها الانضمام إلى جنوب السودان.
- تتهم الحكومة بأنها فشلت في معالجة الأزمة الاقتصادية عقب خروج النفط من الموازنة العامة؟
الأمر ليس متعلقا بخروج عائدات النفط، نعم هو معتبر، لكن أيضا الأزمة المالية العالمية، وارتفاع الأسعار في العالم هو اعتبار آخر، وفي النهاية الدولة ستدير الموارد المتاحة بين يديها، لأن بنية الاقتصاد السوداني ضعيفة بطبعها، وهذا أمر يحتاج لمعالجة.
نحن بحاجة لزيادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، وهناك خطة حكومية ثلاثية لهذا، لكن منتقدي الحكومة لم يقدموا أي أفكار جادة وجيدة للمعالجة.
- وصفت المعارضة الموازنة الأخيرة بأنها "ميزانية حرب" وليست "ميزانية تنمية" باعتبار أنها خصصت 8 مليار جنيه سوداني للأمن والدفاع ومليار واحد للتعليم والصحة.. ما رأيك؟
غير صحيح أيضاً، 70% من هذه الميزانية مرتبات، لا للتسليح.. ولذا فهذا ادعاء غير دقيق.
عائدات البترول كانت تحتمل عبء المرتبات والآن إذا عاد تدفق البترول عبر السودان فسيعود على خزينة البلاد بمليار دولار سنويا.
- بالتزامن مع مؤتمر الحركة الإسلامية السودانية الأخير، تبرأ الشيخ الترابي من الحركة الإسلامية فما هو رأيك؟
الترابي يتصرف كأن الحركة الإسلامية حركة إقطاعية خاصة به، الحركة جمعية طوعية واسعة الامتداد في السودان، وقياداتها التاريخية ما زالت موجودة إلا عدد قليل جدا خرج مع الترابي، وتاريخها ما يزال ملكها، وتنظيمها هو الأوسع.
- ولكنه تبرأ أيضاً من كون الحكومة السودانية الحالية تمثل الحركة الإسلامية؟
هو ليس ناطقا رسميا باسم الحركة الإسلامية، الحركة موجودة بمؤسساتها، لكن هو لديه شعور بأنه صاحب إقطاعية في الحركة.
news_share_descriptionsubscription_contact
