إيمان نصار
القاهرة -الأناضول
نكبتان حلتا برجل واحد، مرة حين كان شاباً، وأخرى بعدما أصبح شيخاً، واللافت أن التشابه بين النكبتين كبير.
في المرة الأولى اضطر الفلسطيني "أبو أسامة" أن يترك قريته "صفد" الفلسطينية (الواقعة الآن في الأراضي التي قامت عليها إسرائيل) قبل 65 سنة، فاراً من جحيم الحرب إلى سوريا، والنكبة الثانية حين فرّ وهو شيخ مع أسرته أيضاً من جحيم الحرب في سوريا.
"أبو أسامة" الذى لجأ إلى مصر قبل أشهر عسى أن يجد فيها بعض من وطنه الأول فلسطين وبعض من وطنه الثاني سوريا، تتعثر حياته اليوم، حتى أنه أيقن أنه خُلق ليعاني، فهو اليوم يحكى لمراسلة الأناضول مأساته التي هي بالقطع مأساة ملايين الفلسطينيين غيره.
هو رجل مسن، وزوجته مريضة، ويعول من البنات والأولاد خمسة، هويته فلسطيني مهاجر، ورقمها واحد من ملايين مشتتين، عنوانه "عاصمة ريف دمشق".."دوما" (أهم مدن ريف دمشق) تلك الخاوية عروشها بعد أن هجرها أهلها من السوريين والفلسطينيين فأصبحوا يتقاسمون الهجرة والشتات معاً.
عن "دوما" يحكي لنا "أبو أسامة"، فهي كما يطلق عليها الكثيرون " السلة الغذائية للشام" فأهلها الذين يمتهنون الفلاحة برعوا في زراعتها، حتى باتت بلدتهم سلة غذائية لدمشق وأريافها، فضلاً عن كونها "فاكهة" دمشق من العنب وغيره.
هي البلدة المرتبطة بالتاريخ لقِدَمِها، والسياحية لتنوع وازدهار تجارتها، فـ"دوما" هي مرتع للأقليات، كالفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين، لموقعها المتميز الذي يتمحور بالقرب من العاصمة دمشق.
عن العاصمة التاريخية، يخبرنا "أبو أسامة" وأخته سميرة التي طعنت هي الأخرى في السن، فتجاوزت الـ70 من عمرها، إنها "دوما" التي كان يقطنها نحو 750 ألف نسمة، خلت بيوتها اليوم من أهلها، وباتت عرضة للنهب والسرقة على أيدي أبناء من سكانها، أو من خارجين من حولها، وذلك قبل أن تتشكل مؤخراً لجان من أهل البلدة من أجل حماية تلك الممتلكات.
من ذاك الاتصال الآتي من أرض الحنين والديار لـ"أبو أسامة" يتضح أن الوضع هناك ليس على ما يرام، فالأقارب والأصدقاء يشتكون من شح المياه، وانقطاع الكهرباء، وقلة الغذاء، وانعدام الأمن والأمان.
تلك "ربا" زوجة الابن، الآتية لتوها من اليونان، حاملة بين أحضانها الأحفاد لبيت الجد والجدة، تبوح لنا بمأساة تركتها ورائها في "دوما" مأساة خلفت أكثر من عشرة قتلى من العائلة والأقارب، مأساة تجسدت عبر ذلك الاتصال من الأهل، يخبروها عن حال بلدتها، وحال الأهل الذين باتوا بين فكي مطرقة نار الأسد، والجيش الحر الذي بات يسيطر بكامل عدته وعتاده على البلدة.
"لا أكل، لا دواء، لا كهرباء...إذاً هي عناوين لحياة بات يألفها المئات من سكان "دوما" السورية، حتى "رغيف الخبز" تهاب والدتها لـ"ربا" ادخاله بعد أن قام جنود نظام الأسد بمنعه إلى جانب الخضار إلى أسواق البلدة، فتضطر الوالدة ومن معها إلى إخفاء الخبز أسفل مقعد "أتوبيس" (شاحنة كبيرة لنقل الركاب) أو سيارة الأجرة التي تستقلها وآخرين.
الحفيدة "شام" حسبتها من صغر سنينها التي لم تتجاوز الـ4 أنها كان الظن أنها لن تعي ما يرويه جدها وعماتها عما يجري هناك "حيث ولدت" ومشاهد القصف والقتل لأبناء سوريا على أيدي جيشهم، لكن كان لجدها رأي مختلف وهو يقول: "هكذا يولد من رحم الثورات أطفال كبار"، وذلك عندما صرخت "شام": "الله عليك يا بشار.. بدي "أريد" أن أعود إلى دوما".
وعلى وقع صرخات الحفيدة، تركنا الجد "أبو أسامة" الذي خشى التصوير، على أمل بقى بين ضلوعه للعودة إلى "دوما" وهو ينتظر هبات وإعانات منظمات الغوث التي "أغلقت" ومعها جهات فلسطينية، الباب في وجه العائلة.