سارة آيت خرصة
الرباط ـ الأناضول
على وقع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إسبانيا، ومع تصاعد حدتها خلال السنتين الأخيرتين، يتوافد عشرات الإسبان إلى المغرب، هذه المرة ليس لقضاء عطلهم الربيعية، ولكن بحثا عن فرص عمل جديدة.
هذا التطور جاء بعدما أغلقت عدة شركات ومصانع إسبانية أبوابها غداة إفلاسها، وسرحت أخرى الآلاف من مستخدميها بسبب خطط التقشف الصارمة التي تبنتها الحكومة الإسبانية لتخفيف حدة الأزمة.
تقول فانيسا (28 سنة) مهاجرة إسبانية جاءت للعمل بإحدى المحلات التجارية بالعاصمة المغربية الرباط: "جئت إلى المغرب قبل 6 أشهر، بعدما ساءت أحوالي المادية، ولم أعد قادرة على تسديد مصاريف السكن.. أضحى العيش في إسبانيا في غاية الصعوبة، فاخترت القدوم إلى المغرب باعتباره لم يتأثر في اعتقادي بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية العالمية".
تقول فانيسا إنها وجدت في المغرب البلد الأنسب للهجرة، بحكم قربه الجغرافي من إسبانيا حيث لا يفصل البلدين الجارين سوى 14 كيلومترا من المياه الإقليمية (البحر الأبيض المتوسط).
لكن وجودها كعاملة في المغرب تزاول مهنة بسيطة لطالما أثار العاملين معها من المواطنين المغاربة، الذين تعودوا أن يهاجر المغاربة أنفسهم إلى إسبانيا، حيث كانت أخبار المهاجرين السريين الذين توقفهم قوارب خفر السواحل الإسبانية تتصدر نشرات الأخبار على القنوات الإسبانية.
وتتابع فانيسا حديثها قائلة إن "التقارب الثقافي والذاكرة الحضارية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، إلى جانب شيوع استعمال اللغة الإسبانية في عدد من المناطق المغربية خاصة الشمالية، كلها عوامل تسهل اندماج اليد العامل الإسبانية في محيطها الاجتماعي المغربي الجديد".
وخوان مارتين الذي بعد أن تقاعد باع كل أملاكه وقرر الاستقرار النهائي في المغرب يعتبر أن "المغرب بالمقارنة مع دول الجوار العربي التي تعيش حال عدم استقرار بسبب التحولات السياسية التي تعرفها بعد ثورات الربيع العربي، يجعل منه ليس فقط وجهة للإسبان الباحثين عن فرص عمل قريبة من حدود بلادهم، ولكن كذلك للمستثمرين الذين بات شبح الأزمة الاقتصادية في أوروبا يؤرقهم، ويعد بالنسبة لهم المغرب البلد الأكثر أمنا لإنعاش لاستثماراتهم".
وبحسب خبراء، في حديث سابق للأناضول، فإن المغرب يشكل اليوم منفذا لإسبانيا من أجل التخفيف من حدة آثار الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها، حيث تتواجد في المغرب حوالي مليون مقاولة (شركة) صغيرة ومتوسطة إسبانية تستثمر في قطاعات اقتصادية مختلفة.
وتعد الجالية المغربية إحدى أقدم الجاليات المقيمة في إسبانيا؛ حيث تشكل وفقا للإحصاءات الرسمية حوالي 2% من مجموع سكان إسبانيا الذين يزيدون عن 47 مليون نسمة، إلا أن تداعيات الأزمة الاقتصادية دفعت عددا من المهاجرين المغاربة في إسبانيا للعودة إلى بلادهم، بعدما سجلت البطالة معدلات مرتفعة في أوساطهم بلغت وفقا للأرقام الرسمية المغربية 51% من مجموع المقيمين المغاربة على التراب الإسباني.
"المغرب أيضا يعيش أوضاعا اقتصادية صعبة، فمئات العاطلين يتظاهرون في الرباط بشكل شبه يومي لمطالبة الحكومة بتوفير فرص عمل، وسط حديث عن ارتفاع محتمل لمعدل البطالة هذه السنة"، بحسب ما قاله عبد العظيم (36 سنة) شاب مغربي عاطل عن العمل لـ"الأناضول"..
ويضيف عبد العظيم أن "المغرب يشجع توافد المستثمرين الإسبان حيث حققت إسبانيا تقدما ملحوظا بالمقارنة مع منافستها التقليدية فرنسا فيما يرتبط بمستوى الاستثمار في السوق المغربية خلال السنة الماضية".
في المقابل تقول السلطات المغربية إن معدل البطالة تراجع بنسبة تقدر بــ0.5% في الربع الأول من السنة الجارية، فيما يواصل الشباب العاطل المغربي من حاملي الشهادات الجامعية العليا التظاهر أمام البرلمان على مدار السنة، لمطالبة الحكومة المغربية بالوفاء بالتزاماتها بتوظيف العاطلين من خريجي الجامعات في قطاعات حكومية، وفقا لاتفاق سابق وقعته الحكومة المغربية السابقة مع ممثلي العاطلين حاملي الشهادات العليا سنة 2011.
وبسبب تراجع تحويلات المهاجرين المغاربة المقيمين في الخارج من العملة الصعبة، وتبعات الأزمة الاقتصادية التي تعيشها عدد من دول الاتحاد الأوروبي- الشريك الاقتصادي الأول للمغرب- تشهد ميزانية المغرب عجزا قدرته وزارة المالية بـ 7.1 %، ما دفع الحكومة للإعلان عن خفض 15 مليار درهم مغربي (1.75 مليار دولار) من مخصصات الاستثمار العمومي، ما سيؤثر حسب خبراء اقتصاديين على فرص التوظيف في المغرب.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، وعدم وتوفر إحصاءات رسمية لأعداد المهاجرين الإسبان المتوافدين على البلاد خلال السنتين الأخيرتين، إلا أن تقارير غير رسمية وأخرى صحفية تتحدث عن توافد المئات من الإسبان إلى المغرب خاصة من "إقليم الأندلس" للعمل في المناطق الشمالية المغربية، إلى جانب مدينة الدار البيضاء "العاصمة الاقتصادية للمغرب" والرباط.
وعلى الرغم من العلاقات "المعقدة" وغير المستقرة في ضوء وجود قضايا خلافية بين المغرب وإسبانيا، في مقدمتها ملف المدينتين المغربيتين "سبتة" و"مليلية" الخاضعتين للإدارة الإسبانية، فإن البلدين تربطهما علاقات شراكة اقتصادية قوية (حسب تصريحات سابقة لخبراء للأناضول)، برغم الانعكاسات السلبية للأزمة المالية العالمية على اقتصاداتهما، إلى جانب حرص البلدين على الحفاظ على مستوى جيد من العلاقات الثنائية.