علا عطا الله
تصوير: أشرف أبو عمرة
غزة - الأناضول
وهو لا يكاد يصدق أن بحرًا أزرق الأمواج يترامى أمام ناظريه كانت ذاكرة الأسير الفلسطيني المحرر "صلاح حمودة" تتلقف أولى صور الحرية بعيدًا عن شبح زنازين العتمة وسجون الموت.
يومها قرر الأسير الداخل لتوه مدرسة "الحرية" أن يتعلم على رمل الشاطئ الذهبي أبجديات الحياة بعيدًا عن الشمس الغائبة طوال العام وأوامر السجّان التي لا تنتهي.
والآن ورائحة مزيج الجبن والقطر (سائل محلى بالسكر) الساخن تشي بأن ثمة رائحة شهية تتكفل بجذب عشرات من رواد بحر غزة إلى محله الذي يحمل اسم "الكنافة النابلسي الأصلية" يشعر "حمودة" بنسيم الحرية لا بل ويكتشف سرها مع رائحة الكنافة، كما يقول لمراسلة الأناضول.
ويصافح حمودة حياة الحرية كما عشرات المحررين، الذين أبعدوا إلى غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2011، ضمن صفقة تبادل للأسرى أبرمتها إسرائيل مع حركة حماس برعاية مصرية مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط".
وأفرجت السلطات الإسرائيلية آنذاك عن 1050 أسيرًا أبعدت 163 منهم إلى غزة لتبدأ رحلتهم بعيدًا عن كوابيس السجون.
وبعد أن تعرفوا على مصطلحات الحرية، قال حمودة لـ"الأناضول" إنه آن الأوان لهم أن يندمجوا في الحياة بكافة تفاصيلها وأن يؤسسوا مشاريعهم الخاصة بهم وأن يعانقوا أحلامهم الصغيرة.
وطلّ مشروع "الكنافة" كأحد دروس الحرية والحياة للمحررين إذ قرر حمودة هو وصديقه المحرر الآخر "نادر أبو تركي" افتتاح محل للكنافة النابلسية الأصلية.
وإن كان سكان الضفة يعشقون بحر غزة فإن الأخيرة تتغنى بحلويات نابلس خاصة "الكنافة" والتي تشتهر بسمعتها في كافة أنحاء المعمورة.
الوصفة السحرية والخلطة الأصلية والتي يحفظ حمودة مكوناتها تمامًا كطرقات مسقط رأسه "نابلس" دفعاه لافتتاح هذا المحل على شارع البحر غرب مدينة غزة.
وفيما هو ينهمك في إعداد الكنافة لتقديمها للزبائن الذين تسابقوا لتذوق حلاوتها قال حمودة "في الأسر كنا نصنعها رغم نقص الكثير من المكونات، واليوم قررنا إعدادها على أصولها.. هنا نريد أن نقول للعالم إننا نحيا ونخرج لنكون منتجين فاعلين لا مجرد أرقام".
ويقوم العشرات من المحررين اليوم بتنفيذ عدة مشاريع اقتصادية لإكمال ما تعلموه في أكاديمية الأسر كما يقول المحرر المبعد من مدينة الخليل "عمر أبو سنينة"، الذي رفض الركون إلى الراحة، فافتتح معرضًا للسيارات أراد من خلاله، كما يقول للأناضول، أن يطل على الحياة: "تنفسنا الحرية والآن نريد أن ننخرط في التفاصيل اليومية بعيدًا عن الجدران الأربعة".
وبعد أن تأقلم مع أجواء غزة رأى المحرر "عوض السلايمة" أن القطاع يشهد حركة واسعة لإعادة الإعمار والبناء بعد أكثر من ست سنوات من الحصار الخانق فقرر أن يكون مشروعه "الحجارة الضفية" أو ما يطلق عليها اسم "الحجر القدسي" يتميز بجمال نقوشه ولونه الأبيض وملمسه الناعم والذي يشي بالتراث القديم.
السلايمة بدا سعيدًا للغاية وهو يتحدث عن تجارته وما خلفته من علاقات بينه وبين تجار ومستثمرين في غزة زادت من أواصر المحبة والاندماج.
ومن محالٍ لصناعة العصائر أو بيع الأحذية والملابس وغيرها يحاول الخارجون لتوهم من سجون غيبت شمسهم لسنوات وعقود أن يتعلموا "ألف باء الحياة" كما يؤكد "منصور ريان" عضو لجنة أسرى الضفة في غزة والذي يقول: "هذه المشاريع رسائل للعالم بأن الأسرى يخرجون دون أن تنكسر إرادتهم وأنه مهما فعلت بهم السجون يحبون الحياة".
ورأى ريّان في هذه المشاريع التي يفتتّحها المحررون المبعدون دليلاً على نجاح الأسير وانتصاره على سجانيه داخل الأسر وخارجه.