سارة آيت خرصة
الرباط - الأناضول
بين الرباط والجزائر تتوالى الرسائل السياسية بشكل معلن أو مضمر، حول ضرورة "تطبيع طبيعي" للعلاقات الثنائية بين بلدين جارين تجمع بينهما معطيات الثقافة والجغرافيا والاقتصاد، لكن تفرق بينهما عقود من الخلافات السياسية، وإغلاق مستمر للحدود البرية رغم المحاولات المتكررة لرأب الصدع، واستئناف التعاون.
ووسط مناخ عربي يعيش على وقع تداعيات انتفاضات الربيع العربي، وآخر إفريقي لا تزال تفاعلات الحرب في مالي ترخي بظلالها عليه ، تتوالى الدعوات لضرورة فتح الحدود البرية المغلقة، وهذه المرة من الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام بان كي مون الذي دعا في قراره الأخير الأسبوع الماضي حول الأوضاع في الصحراء "إلى ضرورة فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ عام 1994" بل ذهب التقرير الأممي إلى اعتبار استمرار النزاع في الصحراء" دون أفق قريب للحل"، يهدد استقرار الأمن في منطقة الساحل والصحراء خاصة غداة اندلاع الحرب في مالي.
الدعوة ذاتها جددها العاهل المغربي محمد السادس خلال لقائه مؤخرًا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء "كريستوف الروس"، فقد دعا الجزائر إلى علاقات مبنية على أساس "حسن الجوار" من أجل إقامة نظام مغاربي جديد، فيما أكد المبعوث الأممي بدوره وخلال جولة قادته إلى عدد من الدول المعنية بالنزاع في الصحراء، أن "فتح الحدود بين المغرب والجزائر" عامل أساسي لتسوية النزاع وضمان أمن المنطقة، خصوصًا مع تزايد التهديدات الإرهابية واحتمال تسلل مسلحين إلى المناطق الصحراوية المتنازع عليها قادمين من مالي.
وبينما يعرض الجانب المغربي تقديم حكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية كحل مقترح للنزاع، تقول الجزائر إنها تواصل دعم طرح جبهة البوليساريو (المطالبة بانفصال الصحراء) والداعي لتنظيم استفتاء تقرير مصير.
وكانت الجزائر قد قررت غلق حدودها البرية مع المغرب بعد إعلان السلطات المغربية فرض تأشيرة دخول على الجزائريين، ردًا على ما قالت إنه هجوم دبرته الاستخبارات الجزائرية في فندق "أطلس إسني" بمراكش (وسط المغرب)، لتحكم هذه الواقعة على العلاقات بين البلدين بسنوات من الجفاء السياسي.
غير أن سنة 2012 تعد "السنة الاستثناء" في تاريخ العلاقات بين المغرب والجزائر، فمع وصول حكومة جديدة برئاسة حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، افتتح رئيس الدبلوماسية المغربية سعد الدين العثماني عمله الوزاري بزيارة للجزائر بدعوة من نظيره مراد مدلسي، تلتها سلسلة من الزيارات المتبادلة بين الجانبين على المستوى الوزاري، تخللتها عقد اتفاقيات تعاون اقتصادي. وجدد المغرب خلال تلك الزيارات على لسان عدد من وزرائه "دعوة الجزائر لفتح الحدود المغلقة لسنوات"، دون أن تعلن الجزائر بشكل صريح ومباشر عن تجاوبها مع الدعوة المغربية، حيث اكتفى وزير الداخلية الجزائري (في تصريحات صحفية) بالتلميح لإمكانية فتح الحدود، لتعود الجزائر وتذكر المغرب "أن هذه الخطوة رهينة بحل ملفات سياسية أخرى عالقة بين البلدين" في إشارة إلى النزاع حول الصحراء.
لكن سنوات الجمود السياسي بين المغرب والجزائر كانت لها تكلفة على اقتصاد البلدين، فإلى جانب شلها عمل اتحاد المغرب العربي منذ سنة 1994 (تأسس الاتحاد سنة 1989 بمدينة مراكش المغربية، ويضم كلاً من المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا) والحيلولة دون تفعيله كإطار للاندماج الاقتصادي والسياسي المغاربي سوى لسنوات قليلة، بعد تجميد المغرب لعضويته داخله بسبب خلافاته المستمرة مع الجزائر، كلفت الاقتصاد المغربي خسائر تقدر بحوالي أربعة مليارات دولار سنويًا، بحسب تقديرات شبه رسمية.
في المقابل، تنتعش على طول الحدود الشرقية للمغرب مع الجزائر، تجارة التهريب خاصة الوقود والمشتقات البترولية القادمة من الأراضي الجزائرية منخفضة السعر بالمقارنة مع المغرب، فيما تغزو الأسواق المحلية للمدن الجزائرية الحدودية المنتجات المغربية من أقمشة ومواد غذائية، حيث تقدر معاملات التهريب سنويا بمئات الملايين من الدولارات، ما يفوت على اقتصاد البلدين تحقيق نمو اقتصادي بسبب اتساع سوق الاستهلاك وازدياد مستوى المنافسة، وخلق فرص شغل لآلاف العاطلين في البلدين.
لكن على الرغم من انتعاش هذ الاقتصاد غير المهيكل في المناطق الحدودية بين المغرب والجزائر، إلا أن الاقتصاد المحلي لهذه المناطق ومستوى المبادلات التجارية الرسمية بين المغرب والجزائر يعد الأضعف بالمقارنة مع تكتلات إقليمية أخرى حيث لا تتجاوز 2 أو 4 في المائة من جملة المبادلات التجارية الخارجية لهذه الدول، وتشير دراسة سابقة لصندوق النقد الدولي إلى أن الاتحاد الاقتصادي بين المغرب والجزائر سيرفع من معدل دخل الفرد بهذين البلدين في أفق سنة 2015 ب57% في المائة للجزائر و38% بالنسبة للمغرب.
الحدود المغلقة، أغلقت كذلك الباب أمام مليارات الدولارات في قطاع الاستثمار خاصة في المجال السياحي، ويؤجل تشجيع العديد من المستثمرين الأوروبيين بالقدوم إلى المغرب والجزائر والاستثمار خاصة بالمناطق الحدودية وآثار القطيعة السياسية تمتد لتلقي بظلالها على قطاع حيوي لكلا البلدين "الصناعة الطاقية"، حيث يعتبر المغرب أحد أهم المنتجين للفوسفات، فيما تتوفر الجزائر على مخزون مهم من الغاز الطبيعي والبترول، وأي اندماج مستقبلي بين اقتصادي البلدين، يمكن حسب خبراء من إقامة "قطب مهم على مستوى المنطقة وإفريقيا للصناعة البتروكيماوية".
ومع تسلمه رئاسة الجمهورية التونسية قام الرئيس التونسي منصف المرزوقي بزيارات قادته لعدد من دول المغرب العربي، آملا في أن يلتئم شمل الاتحاد في قمة مغاربية خريف السنة الماضية، ولكن تصريحات جزائرية - مغربية، حالت مرة أخرى دون انعقاد القمة، حيث عزا وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي عدم إمكانية عقدها إلى "اضطراب الوضع الأمني في المنطقة بسبب الحرب في مالي"، فيما قال رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران "إن أي قمة مغاربية دون فتح الحدود المغلقة لا تعدو كونها قمة شكلية" فيفشل "الإخوة المغاربيون" في الجلوس إلى طاولة "اتحادهم المعطل" لحل قضايا المنطقة المستعجلة.
التوتر على مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، انعكس على النسيج الاجتماعي في المناطق الحدودية، التي تربط سكانها علاقات قربى ومصاهرة قديمة، تعود بعضها إلى عهد ما قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر، أي قبل ترسيم الحدود بين المستعمرة الفرنسية (الجزائر) والمغرب، ولكن حتى مع إغلاق الحدود يتواصل تبادل الزيارات بين العائلات الجزائرية والمغربية، أحيانا عبر الحدود البرية سرا.
الجهود الدبلوماسية لإنهاء الخلاف الجزائري المغربي، سبقتها مجموعة من المبادرات والتحركات الشعبية، طالب خلالها نشطاء مغاربة وجزائريون بفتح الحدود بين البلدين، وشارك فيها فنانون ومثقفون عبر إحياء عدد من التظاهرات الفنية والثقافية بمدن جزائرية وأخرى مغربية، بهدف كسر الجمود وممارسة ضغط شعبي على حكومات وقادة البلدين، حيث حمل مغنون مغاربة وجزائريون أعلام الدولتين في حفلاتهم، في رسالة إلى وحدة المصير والثقافة والتاريخ.
ويقول ناشطون حقوقيون مغاربة إن أجواء الانفتاح الديمقراطي الذي تعيشه المنطقة، إلى جانب تطور شبكات الاتصال الاجتماعي، جعلت المغاربة والجزائريين أكثر وعي بضرورة "تجاوز خصومات الماضي"، وبناء مستقبل مشترك، في إطار اتحاد مغاربي قوي.
فطوال خمسين سنة أو يزيد، هي عمر دولة الاستقلال من كل من الجزائر والمغرب، لم تفتح الحدود بين الجارتين سوى 12 سنة، وأغلقت تارة بسبب حرب الرمال التي دارت بين الجزائر والمغرب سنة 1963، وتارة أخرى بسبب المواجهات العسكرية التي خاصها المغرب مع أفراد من جبهة البوليسايو في منطقة أمغالا الحدودية سنة 1976، وآخرها يعود إلى التفجير الذي استهدف فندقا بمراكش المغربية والذي قررت عقبه السلطات المغربية فرض التأشيرة على دخول الجزائريين، لترد الجزائر بإغلاق الحدود.
ومع بداية النزاع في منطقة الساحل والصحراء، وازدياد حركات الهجرة من دول جنوب الصحراء في اتجاه الشمال نحو الضفة الأوروبية، أضحى موضوع تأمين الحدود بين المغرب والجزائر أكثر حساسية، وأضاف تعقيدات أخرى لمسألة فتح الحدود البرية المغلقة.
فمع ارتفاع معدلات نشاط "تجارة المخدرات" و"تهريب البشر" و"الجريمة المنظمة العابرة للحدود"، التي رافقت اندلاع الحرب في مالي وتوتر الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والصحراء زادت ضرورة التنسيق الأمني المشترك بين الجانبين، أضف إلى ذلك موجات الهجرة العابرة للحدود، حيث يقطع عشرات المهاجرين بشكل دوري الحدود الجزائرية - المغربية في رحلة عبورهم بحرا إلى إسبانيا، أو خلال محاولة تسللهم إلى مدينتي سبتة ومليلية على التراب المغربي والخاضعتين للسيطرة الإسبانية.
وتقول جمعيات حقوقية مغربية إن المهاجرين يعيشون أوضاعًا صعبة حينما تعمد السلطات المغربية إلى ترحيلهم في اتجاه الحدود البرية المغلقة مع الجزائر، وتضيف الجمعيات ذاتها أن السلطات الجزائرية تعاملهم بطريقة مماثلة، حيث يظل العشرات منهم عالقين على جانبي الحدود المغلقة.
وإذا كان النزاع حول الصحراء بين المغرب والجزائر أغلق أبواب حدودهما في وجه المبادلات التجارية، فلا يبدو أن ما استجد في الأيام القليلة الماضية في قضية الصحراء، يدعو للتفاؤل أو لتفاهم يلوح في أفق قريب بين الجزائر والمغرب، بعد أن عاد الخلاف مجددا حول توسيع مهمة قوات حفظ السلم في منطقة الصحراء - "المينورسو" - لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، وهو ما يرفضه المغرب ويعده انتهاكا لسيادته، وتدعمه البوليساريو والجزائر.
news_share_descriptionsubscription_contact
