بولا أسطيح
بيروت ـ الأناضول
يختصر المشهد في دار المسنين الواقعة في مخيم "برج البراجنة" للاجئين الفلسطينيين في العاصمة اللبنانية بيروت مجمل وقائع وآثار قيام إسرائيل فوق الأراضي الفلسطينية عام 1948، أو ما يعرف باسم النكبة الفلسطينية، وتفاصيلها.
فالدار، التي يطلق عليها في لبنان (دار الشيخوخة) التي تحوي عشرات المسنين الفلسطينيين الذين تتجاوز أعمارهم الـ60، تخبئ قصصًا وروايات كثيرة لم تغب يومًا عن ذاكرة من هجّروا من أرضهم (فلسطين على أيدي الإسرائيليين) قبل نحو 65 عامًا بالرغم من تقدمهم في السن.
أم حسين (85 عامًا) غاب عنها كم عمرها اليوم، لكن لم يغب عن بالها كيف تركوا فجأة منزلهم في صفد (مدينة تقع الآن في إسرائيل).
تقول ردًا على أسئلة مراسلة وكالة "الأناضول" للأنباء: "كنا جالسين في منازلنا حين قالوا لنا إن الإسرائيليين دخلوا مدينتنا فهربنا بالثياب التي كنّا نرتديها..هربنا أولاً إلى الجبال وبعدها تم ترحيلنا إلى لبنان فتوزعنا على المناطق اللبنانية، منّا من ذهب إلى طرابلس (شمال لبنان) ومنّا من توجه إلى عنجر(في سفح سلسلة جبال لبنان الشرقية) أما الآخرون فغادروا إلى سوريا والأردن ومصر".
ولدى سؤالها عمّا تتذكره من فلسطين قبل عشرات الأعوام، تلمع عينا الحاجة الفلسطينية ولا تتردد بالقول: "كان زعماء لبنان وسوريا يصطفون (يقضون الصيف) في فلسطين..كنا نزرع الدخان (التبغ) والزيتون وكل أنواع الفواكه.. فلسطين كانت تحوي كل ما يتمناه المرء وإن شاء لله عائدون إليها".
كل ما روته أم حسين، كان موسى عرابي (72 عاما) يسمعه وبدقة بانتظار أن يصل دوره للكلام، فهو من غادر فلسطين حين كان يبلغ من العمر 7 سنوات يتحدث عن سيارات كثيرة استقلوها من فلسطين إلى مخيم المية ومية (جنوب لبنان).
ويضيف: "بعدها ركبنا القطارات وذهبنا إلى سوريا.. لنعود اليوم وبعد اندلاع الأزمة في سوريا إلى لبنان".
"نحن نتحدث بحرقة كبيرة عن أرضنا التي لا أعرف منها إلا المدينة التي كنت أسكن فيها عكا.. اذ إنّه لم يصح لي أن أتعرف على باقي أجزاء بلدي فلم أكن أبلغ من العمر إلا 7 سنوات"، يقول موسى محاولا التماسك كي لا تخونه دموعه.
يضيف: "نحن سنعود لأرضنا، وإذا لم نعد نحن، سيعود أولادنا أو أحفادنا، رغم أنف الاستعمار وكل الدول التي هجرتنا وتآمرت علينا".
وفيما لا تزال ديبة عبد الغني (69 عاما) تتذكر كيف غادروا منزلهم فجأة بينما كانت والدتها تغسل الملابس، متحدثة عن كل التحديات التي واجهوها على الطريق من فلسطين إلى لبنان حين ظلوا على مدار 3 أيام دون طعام ولا شراب.
ويؤكد كامل شريدي (75 عاما) أنّه ينقل كل ما يعرفه عن فلسطين لأولاده وأحفاده.
ويقول لمراسلة وكالة "الأناضول": "لطالما كنت أردد عليهم الأنشودة التالية: يا قدس لن ننساك... نمشي للوراء.. إلى الأمام.. إلى الحدود.. لنطرد اليهود.. ونسترد أرضنا.. وعزنا ومجدنا".
وتتجمع بعض النسوة الفلسطينيات في دار المسنين يوميا لإعداد أطباق تقليدية فلسطينية.
وتكشف أم بهاء لمراسلة وكالة "الأناضول" عن أسرار نجاح طبق "المسخَّن" المكوّن من خبز مرقوق يتم حشوه بالدجاج والمكسرات مع رشة من السماق، مشيرة إلى أن إدخال البصل إلى المكونات الأساسية مهم للغاية لإضفاء الطعم المطلوب.
ومن المأكولات الفلسطينية التي تصر النسوة المتقدمات بالعمر على نقلها لأولادهن وأحفادهن: مقلوبة الباذنجان، والمغربية، والمقروطة، والكنافة النابلسية.
ويقيم في لبنان منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عامي 1948 و1967 نحو 435 ألف لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، من بين 5 مليون لاجئ موزعين على عدة دول (الأردن ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية).
وتقدر بيانات رسمية لبنانية عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بنصف المليون، ويتوزع هؤلاء على مخيمات منتشرة في الجنوب اللبناني كما في الشمال والبقاع وبيروت.