سيناء (مصر) - الأناضول
فيما تتابع عدسات الإعلام المواجهات بين الجيش المصري والجماعات المسلحة في سيناء، والتي اندلعت عقب مجزرة أودت بحياة 16 جنديًا من حرس الحدود أغسطس الماضي، تدور رحى صراع آخر "خفي" بين قبائل سيناء وتلك الجماعات يمتد لما قبل ثورة 25 يناير، ويتضمن عمليات اغتيال ورسائل تهديد انتهاء باقتحام مسلحين لمعهد أزهري أمس.
فبحسب ما روى شهود عيان للأناضول اقتحم مسلحون من هذه الجماعات معهداً أزهرياً بقرية الظهير في خضم مواجهات مع الجيش، وهددوا العاملين فيه أنهم في حال السماح لعناصر الجيش باستخدام المعهد في المواجهات سيقومون بتفجيره.
رسائل التهديد لم تقف عند حدود المواجهات وإنما تجاوزتها لإعلاميين ورموز وقادة قبائل، رفضوا الكشف عن أسمائهم لأسباب أمنية، قالوا إنهم تلقوا تهديدات بالاغتيال إذا أعطوا الأجهزة الأمنية أية معلومات تساعد في اعتقال عناصر تلك الجماعات والمعروفين بأسمائهم وأشكالهم وتسليحهم لقبائل سيناء.
كما شمل التهديد أيضاً تحذيرهم من التحدث في لقاءات إعلامية أو جماهيرية، ووصف تلك الجماعات بـ"الإرهابيين أو التكفيريين" لتأليب الرأي العام المصري ضدها، بحسب المصادر ذاتها التي رفضت الكشف عن هويتها لدواع أمنية.
هذا الصراع كان أبرز محطاته قتل خلف المنيعي وولده، أحد رموز قبيلة السواركة كبرى قبائل سيناء، منتصف أغسطس الماضي، ورغم أنه لم يعلن حتى الآن عن هوية القاتل، إلا أن واقعة مقتله جاءت بعد لحظات من مؤتمر شارك فيه ضد تلك الجماعات بقرية المهدية المجاورة للحدود المصرية مع إسرائيل، طالب خلاله بالتصدي لها، وإبلاغ الأمن عن أماكن تواجدها.
وسبق هذا الحادث قتل شيخ من نفس القبيلة يدعى (نايف أبو قبال) وتشير دلائل واقعة قتله التي تمت قبل نحو ثلاثة شهور على أن من يقف خلفها أفراد من تلك الجماعات.
وأوضح مصدر قبلي رفض كشف اسمه لحساسية الوضع الأمني طبيعة الصراع بين القبائل والجماعات المسلحة الذي وصفه بـ"الخفي"، قائلاً "بالرغم من أن القبائل تعرف عناصر هذه الجماعات بالاسم، إلا أنه لا يمكن تحديد المتورطين في مقتل المنيعي وأبو قبال، الأمر الذي يقيد يد من يريدون الثأر".
وتابع "من تقتله هذه الجماعات ينطبق عليه قول: تفرق دمه بين القبائل.. فأهل القتيل لا يمكنهم الثأر له بقتل أي عنصر من هذه الجماعات بشكل عشوائي خشية أن تسعى قبيلته للثأر"، مضيفاً "والغريب أن القبائل التي تلقى أكبر قدر من التهديدات هي ذاتها القبائل التي ينتمي إليها الجزء الأكبر من عناصر هذه الجماعات المسلحة، مثل قبائل السواركة والطرابين والرميلات والتياها".
وكشف المصدر أن الأهالي "وجدوا منذ 3 أيام رسائل في كنيسة مغلقة وشبه مهدمة بمدينة رفح تطالب مسيحيي المدينة بالمغادرة خلال أسبوع وإلا تعرضوا للانتقام، وهو أمر لا يستغرب أن يصدر من مثل هذه الجماعات المسلحة التي قامت بتفجيرين لمقام وضريح الشيخ زويد".
وأضاف المصدر ذاته "كنا ننظر لحملة الجيش المصري التي أعقبت حادث رفح على أنها الأمل في القضاء على هذه الجماعات، إلا أننا صدمنا بالبطء الذي اتسمت به الملاحقات، وزاد من إحباطنا عدم المصارحة في تصريحات الجيش حول النتائج، فمن يقبض عليهم ويقال إنهم إرهابيون هم من خارج تلك العناصر وتبرأ ساحتهم في اليوم ذاته، والحملات تتراجع في بعض المواقع أمام قوة ضربات المسلحين".
يذكر أن صحراء شبه جزيرة سيناء شمال شرقي مصر تقطنها نحو 27 قبيلة عربية، إضافة إلى عشائر وعائلات أخرى تسكن المدن ووافدين من محافظات مصرية من الموظفين بالمصالح الحكومية والشركات، ويقدر عدد سكان سيناء بنحو نصف مليون نسمة.
وبدأ مد الفكر المتشدد إلى سيناء بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث انتشر بين شباب صغار، كونوا جماعات متشددة وانفصلوا عن قبائلهم، إلى أن وقعت تفجيرات سيناء عام 2005 والتي كانت بمثابة ضربة قوية لتلك المجموعات، حيث أجبر الأمن المصري شيوخ ورموز القبائل البدوية على مشاركته في البحث عن عناصر مطلوبة من بين تلك المجموعات، وملاحقتها في مطاردات وصفت في وقتها بـ"المأساوية"، وزادت من مساحة العداء بين تلك المجموعات والرموز القبلية وحولته من صراع على فرض أفكار إلى صراع بقاء واتهام بالخيانة والعمالة..
وعقب أحداث الثورة المصرية وانسحاب الشرطة من مناطق تمركز تلك الجماعات بالشيخ زويد ورفح ووسط سيناء، كانت الفرصة مواتية لهم للظهور والخروج من دائرة التخفي ساعدهم على ذلك توفر إمكانيات التحرك، وما يتمتعون به من قوة في العدد والعتاد.
ولا يُعرف حتى الآن العدد الفعلي للجماعات المسلحة بسيناء، ولكن بحسب التقديرات الرسمية فهي تتراوح ما بين 500 إلى 1200 شخص في حين تعلن هذه الجماعات أنها تزيد عن 5000 شخص.