هداية الصعيدي
تصوير: مصطفى حسونة
فيديو: متين كايا
غزة- الأناضول
أن تمنح أحدهم الرغبة في الحياة والقدرة على مواصلتها بعد أن بلغ اليأس مبلغه في نفسه، بسبب إعاقة ألمت به منذ الولادة أو مع مرّ الأيام، "مهمة من أروع ما يكون".
هذا ما يؤمن به المخترع الفلسطيني منذر القصاص (32عامًا)، والذي أخذ عهدًا على نفسه بأن يستغل موهبته في مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة.
القصاص الذي يعيش بقطاع غزة سخر اختراعاته في مجال الأدوات الطبية المساعدة، والتي يبلغ ثمنها الحقيقي آلاف الدولارات حال استيرادها من الخارج، الأمر الذي لن يمكن غالبية معاقي غزة من شرائها.
لكن القصاص الذي يساعد المعاقين، ويمنحهم الأجهزة بالمجان لم يجد من يساعده على تطوير ونشر تلك الإختراعات، حيث يعمل سائق أجرة في مدينة غزة.
شرفة المنزل المستطيلة -ورغم ضِيقهَا- اتخذها القصاص مختبرًا ومعملًا لاختراعاته يقضي فيها ساعات طوال متنقلًا بين أجهزته وأدواته، ومن تلك الشرفة الصغيرة أنتج القصاص ما يعيد بسمة الحياة، التي غابت لسنين، لشفاه المعاقين؛ فمنها خرج جهاز "الإسراء" وغيره.
وجهاز "الإسراء" يخدم فئة الصم، ويتكون من قطعتين منفصلتين تتلقى الأولى الموجات الصوتية لأي حركة أو صوت كجرس الباب أو بكاء الطفل لتبدأ الثانية بالاهتزاز أو الإضاءة لتنبه الأصم بأن هناك طارق للباب أو أن طفله يبكي.
وبتلك الأدوات البسيطة أيضًا التي جمعها المخترع الفلسطيني، من تفكيك الأجهزة الكهربائية والسيارات، وشرائها من المحال المختصة ببيع الأدوات القديمة والتالفة، قلب حياة مصابي الشلل الجزئي والرباعي رأسًا على عقب.
لم تعد أيامهم تشبه بعضها البعض تُقضى بالاستلقاء على السرير دون أي حركة أو فعل، إنما جعل لهم عالمٌا جديدا يشبه عالم الأصحاء باختراعه لجهاز "زايد"، وكرسي كهربائي متحرك أطلق عليه "حمدان"، وفأرة "ماوس" لاسلكي لمصابي الشلل الرباعي، إضافة إلى جهاز "ليلة القدر" وهو لتقليب الصفحات، وأدوات طعام لمساعدة من يعانون من ضمور في العضلات.
قصة كل جهاز يرويها المخترع الشاب لمراسلة الأناضول قائلًا: "جهاز (زايد) يقوم بتغيير قنوات التلفاز بالريموت كنترول عن طريق اللسان أو الذقن أو الكتف حسب نوع الإعاقة، وأطلقت عليه هذا الاسم تعبيرا عن الإمتنان لرئس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل زايد بن سلطان؛ الذي خدم فلسطين كثيرًا".
وجهاز "زايد"، بحسب مخترعه، عبارة عن قطعتين الأولى توضع بالقرب من الرأس، ويحركها المستخدم بإحدى الطرق سالفة الذكر، لتستجيب الثانية الموصولة بالريموت كنترول، ومن ثم يتم تغيير القناة حسبما يريد المستخدم دون الحاجة لمساعدة أحد.
ويضيف : "أما الهدف من جهاز (حمدان)، وهو كرسي كهربائي متحرك، أطلقت عليه اسم والدي، ويهدف لأن يعتمد صاحب الإعاقة على نفسه ويخرج بمفرده دون أن يكون عالة على أحد وألا يقضي حياته بين جدران منزله فقط".
قبل عشر سنوات كان الاختراع الأول للقصاص بجهاز "ليلة القدر"، الذي يقوم بتقليب صفحات الكتب لمن يعاني من ضمور في العضلات ولا يستطيع فتح الصفحات، وحصل على براءة اختراع عن هذا الجهاز في عام 2006 من وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني، وبراءة اختراع أخرى عن الكرسي الكهربائي المتحرك.
وأصبح لمصابي الشلل الرباعي عالمهم الافتراضي على شبكة الانترنت، يتصفحون المواقع التي يرغبون، بعد أن كانوا منعزلين عن هذا العالم العنكبوتي، وذلك بسبب "فأرة" لا سلكية اخترعها القصاص وتأخذ شكل حرف "U" يحركها المعاق برأسه تمكّنه من التحكم بجهاز الحاسوب.
قصة أخرى لطفل تغير مجرى حياته بجهاز أهداه له القصاص ليساعده في تقويم إعوجاج يديه الذي يصاحبه منذ الصغر، وزوده له بجهاز تسجيل الموسيقى"MP3" ليتقبله بدرجة أكبر.
ويقول القصاص، الذي يعمل سائق سيارة أجرة ودرس الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة فلسطين "أنفذ اختراعاتي على نفقتي الخاصة وللأسف حاولت كثيرًا التواصل مع بعض الجهات للمساعدة وتبني مشاريعي بلا جدوى، ولكني سأستمر حتى لا تموت اختراعاتي وليستفيد منها كل محتاج وسأقدمها للعالم كمنحة يكفي أن تبقى صدقة جارية لي".
ويوضح أن الهدف من اختراعاته هو "الاستقلالية والاعتماد على النفس لذوي الاحتياجات الخاصة وحب الحياة والاستمتاع بها".
ويحاول القصاص أن يساعد مجتمعه ويخلصه بقدر استطاعته من واقع الحصار المفروض عليه منذ ما يزيد عن ست سنوات؛ فقد أنشأ سيارة كهربائية لتجنب مشكلة شح الوقود، ويعمل حاليًا على تطويرها لتعمل بالطاقة الشمسية.
ويتمنى القصاص أن يتم استئناف قانون براءة الاختراع المتوقف في قطاع غزة حتى يحصل على براءات اختراع لأجهزته، وأيضا أن تتخطى أجهزته حدود القطاع إلى العالم أجمع ليستفيد منها ذوي الإعاقة.